syria.jpg
مساهمات القراء
قصص قصيرة
حكايــــة علاج تحــــت القصـــــــف ..بقلم : نصر زينو

في أواخر شهر أيار، أحسست بمغص شديد في أسفل البطن، واتبعت العلاج المتعارف عليه، من مسكنات ومضادات تشنج، وبعد استشارة الطبيب، فقال خذ فلاجيل لعشرة أيام، ولكن الألم استمر بهجمات بين وقت لآخر، لا بل بين يوم وأخر، وهكذا استمر العلاج بمطهرات الأمعاء وبمسكنات المغص، وذهبت إلى البحر وقضيت في شاليهات الضباط في طرطوس، واستمرت نوبات الألم، هذا يقول البرد السبب وذاك يقول الطعام السبب...الخ،


 إلى أن سمعت بوفاة ابن عمي أبو نايف زينو، صديق العمر من الطفولة إلى الكهولة، شددت الرحال وحدي إلى سلمية لحضور العزاء، ولقد قام ذووه بأداء واجب العزاء على أكمل وجه، حتى كانت الناس تتحدث بما انزل إلى المسجد، ولقد عانا الفقيد الأمرين من المرض قرابة السنتين، قضاها بين المشفى والبيت، وفي أخر أيامه أمضاها في المشفى ،وأصر أن يتخرج من المشفى، والذهاب إلى منزله، يبدو انه أدرك قرب اجله، ففضل أن يكون في منزله وبين أهله، وتوفي الساعة الثالثة صباحاً في 30 ايلول 2012.سلم الروح لباريها...

 

ولقد أمضينا أيامنا في دمشق بين السهر والسمر في النادي والبيت وزيارة الأصدقاء، وقد أكرمني الفقيد جداً، وخاصة بعد أن انتقل إلى السلمية، رحمه الله كثيراً، وقد كان صادقاً وأميناً وودوداً ومجاهداً لستر عائلته وتوفير السكن اللائق والمستقبل الأفضل وفاز بذلك، وأمضيت قرابة الخمسين يوماً في سلمية، قبل أن أحضر إلى دمشق وكنت أعاني نوبات الألم الشديد في أسفل البطن، وكم قال ولدي نابغ اذهب إلى الطبيب، فقلت له لقد استشرت الطبيب وقال استخدم الفلاجيل لعشرة أيام /كما ذكرت/، ولم استفد شيئاً، وأذكر هذا الكلام إلا للعبرة، ألا يهمل المريض نفسه، وألا يتأخر في مراجعة الطبيب المختص عند تكرار الشكوى، ليكشف المرض أيا كان في وقت مبكر، فهو أفضل للعلاج، هذا ما كنت أنصح به أهلي وأقربائي، وهذا ما وقعت فيه وللأسف تأخرت كثيراً فكان الآتي...

 

 حضرت إلى دمشق واتصلنا بالطبيب الاختصاصي بالهضمية الدكتور نذير ابراهيم، وشرحت له ما كنت أعاني فقال يجب إجراء تنظير كولون، اذهب إلى مشفى المزة العسكري، واسأل عن الطبيبة نوال سلوم، فرحبت بي ووصفت لها ما أعاني، فقالت يجب أن تحضر نفسك للتنظير، ووصفت لي اللازم، وفي الموعد المحدد حضرت، وأجرت التنظير، وكانت تتكلم أثناء التنظير معي ومع الأطباء، وأرتهم التقرحات في الكولون فوق المستقيم كالسوار، بقليل وانتهى التنظير، والأسلوب الذي اتبعته الدكتورة سهل علي تحمل الألم لان التنظير جرى بدون تخدير، وكتبت تقرير التنظير، وأعطتنا خزعة لأخذها إلى المخبر التشريحي، وطلبت لي صورة طبقي محوري للبطن، ونفذ في الموعد المحدد لكن بدون حقن، لان العاملين عليه قالوا سنسأل الدكتورة هل يلزم الحقن

 

 وبعد انتظار قرابة ساعة، قالوا أن الدكتورة ليست في المستشفى وقد اتصلنا بها وقالت بدون حقن، وأخذنا الصورة إلى الطبيب الجراح الذي أعطتنا الدكتورة نوال استشارة له، فقال دع القرص معي وخلال هذا الأسبوع نتصل معك، وذهبنا مع ولدي نابغ إلى مشفى تشرين لعمل صورة طبقي محوري  للبطن مع الحقن، وقال له طبيب الأشعة، سنجري له الصورة للبطن والحوض مع الحقن وبالشرائح، وحصل ذلك، ونصحه أن يأخذ الصورة على قرص إلى طبيب الأورام ، وقال سنعطيه علاج كيماوي على ست جرعات كل خمسة عشرة يوماً جرعة، وكنت قد سألت الطبيبة نوال سلوم التي أجرت التنظير في مشفى المزة، هل هذه نتيجة الخزعة هي سرطان؟

 

 قالت لا أنها تأهب للسرطان كونها اتخذت شكل خلايا راشحة، وطيلة العلاج لم يجب على سؤالي كافة الأطباء الذين سألتهم، هل الذي معي تأهب للسرطان أو في مرحلة الانتقال إلى السرطان، أو انه انتقل وانتهى، فقالوا أن هذا العلاج يفيد في الحالات الثلاث، ولكن ما طبق علي هو فرض الإصابة السرطانية، واتكلنا على الله ونعم الوكيل، وتابعنا العلاج بالجرعة الأولى في13/11/2012، وكانت الجرعة تدوم 48 ساعة، فكيس سيروم 2ساعة وأخر 2 ساعة وثالث20 ساعة، وفي اليوم التالي كيس سيروم ساعتين وأخر 20ساعة، وسيروم حوالي ساعتين لتنظيف أثار العلاج وقضينا ثلاثة أشهر في مشفى تشرين كل 15 يوماً جرعة، والأسلوب أحضر يوم الأربعاء لتحليل الدم، ويوم الخميس نذهب للعيادة، ومعنا نتيجة التحليل الذي يحدد بموجبه الطبيب، إعطاء الجرعة أم لا، وهكذا حتى انتهت الجرعات الستة...

 

وبالمناسبة قال الطبيب المختص عماد زيود انه تفاجأ باستجابتي الممتازة للعلاج، وقال سوف تشعر بتحسن بعد الجرعة الأولى بإذن الله،وكنا نبيت ليلتين في المشفى،وملفت للتنظير أن الكادر التمريضي بقيادة راني أبو علي، الذي استشهد شقيقه إبان فترة العلاج ، التفاني في خدمة المرضى ولايتذمرون ولايتأففون بل في غاية اللطف والتهذيب، فاستحقوا كل التقدير والشكر حماهم الله وجزاهم خيرا عن الخدمات الفائقة للمرضى، وكانت الآثار السلبية للعلاج الكيميائي هي :

 

قلة الحيل، وهلاك الجنس وقلة الشهية لبعض الاطعمة، ورغم ذلك كنت أتناول كل حوال ثلاث ساعات الجزر واللبن المشنون وما أقبله من الطعام، في المرحلة الأولى قبل العملية، أما في المرحلة الثانية بعدها تناولت اللبن والموز .....، والمدهش رائحة الدواء التي تزكم الأنوف في العرق والبول والتي تشبه رائحة الشعير المعفن يا مجير! وكذلك اعتلال الأعصاب المحيطية وأحياناً الأرق ونوبات، إكتام غازات وأخرى إسهال أو الخروج المتكرر والاهم ألا يتعرض المريض للشمس طيلة فترة العلاج حتماً، وكنا نذهب إلى المشفى، فيبدأ الخوف الأشد من نزول قذيفة هاون أو القنص ...

 

وعندما نصل إلى البيت فهذا شعور بالانتصار والشكر لله على سلامتنا ووصولنا ونحن نقول أن العلاج تحت القصف، فهذا حقيقي،فهناك مربضان لدبابة ومدفع في التلال المواجهة لبوابة المشفى والى اليمين، تتناوبان الرمي أو يرميان معاً، وفي التلال المواجهة من الشرق تربض دبابة وقاذف صواريخ، فإذا بدأت الحفلة تبدأ بدوي الانطلاق، وبعدها الانفجارات هائلة الصوت والارتجاجات التي تهز البدن، وعندما يكون الرمي بالتناوب أهون على احتماله، أما إذا بدأت دفعة واحدة فيا لطيف...!!

 

(وهذا كوم) وذاك الصاروخ إذا ما أطلق، فكأنما طائرة خرقت جدار الصوت، ولكن كل ذلك الضجيج وأصوات الإنفجارات هينة، عندما أطلق صاروخ يبدو أنه أرض ــ أرض فكأنما المشفى انتقل من مكانه، أو كاد أن يطير من مكانه، فكانت قوة الصدمة هائلة كأن انفجاراً نووياً قد حصل بالقرب منا، وشعرنا ان المشفى قد ينهال علينا، وهذا حدث وعادة قد يشتد الرمي أو يتباطأ، وقد يتوقف نهائياً وغالباً يبدأ الاحتفال في الساعة 12، ويتوقف في المساء، وقد يمزق هذه القاعدة فيبدأ مبكراً، ويتأخر حتى منتصف الليل وربما للصباح التالي وهذا يحتمل، أما إطلاق الصواريخ أو الرمي المباشر فلا يحتمل مطلقاً، وحدث ولاحرج عن الرشاشات المنصوبة على السطح ونحن في الطابق الثامن، وربما يبدأ رشاش دوشكا أو مثيلاته من الرشاشات الأخرى لا نعرفها، إلا إذا باشرت بالرمي فعندها تعرف بأصواتها الصارخة،فإن أصواتهم تتفاوت بالشدة التي تكاد يحسبها تنطلق من الغرفة فترتجف من الخوف ويهتز السرير تحتك، وكأنما جرى الإطلاق من غرفتك حتى لا تكاد تميز بين صفق الباب والانفجار...،

 

ورغم ذلك وتحت أصوات القصف، يستمر الكادر الطبي الأطباء والممرضون في أداء واجبهم، فقد اعتادوا على هذا الاحتفال الصاخب، فكأنما شيئاً لم يحدث، فتراهم بكامل نشاطهم، ورغم احتمال القنص من الجهة الغربية، في الواجهة الخلفية للمشفى، فمرعبة للجميع، فيحطاطون ويحذرون الجميع من ذلك الخطر....، فطبعاً نحن نبيت ليلتين ونغادر ولكن الله يعين كل من في المشفى،وحماهم الله جميعاً والوطن الأعز من كل ـسوء وشر، وجزاهم خير عنا وعن جميع المرضى، وأقسم أنهم يستحقون التقدير والشكر الأعظم.

 

وقد انتهت المرحلة الأولى من العذاب والجلد بسلام، والعجيب أن اغلب الآثار السلبية للعلاج الكيميائي لم تمر عليً إلا على اعتلال الأعصاب المحيطية، الذي لا يزال مستمرا رغم تناول العلاج متاخراً، فقد وصف الطبيب العلاج مبكراً، لكنني لم أتناوله إلا متأخراً فاقتضى الإطالة فيه ، وهذه مسؤوليتي....

 

وأحالني طبيب الأورام إلى اختصاصي الهضمية، ليجري لي تنظير كولون وكانت النتيجة وتشريح الخزعة مطابقة لما جرى في المزة، وطلب الدكتور عماد صورة محوري للبطن مع الحقن، وصورة إيكو بطن وبالتدقيق للنتائج أحالني إلى طبيب الجراحة العامة، الذي حدد موعداً للعملية استئصال جزء من الكولون المصاب، وقمت بالتحضيرات المطلوبة للعملية، خاصة تنظيف البطن فأربع ظروف بودرة تحل بأربع ليتر من الماء وتشرب بأربع ساعات، وهذا وحده أصعب من العملية، وفي الموعد المحدد بعد قضاء ليلة من الهواجس والوساوس والاحتمالات والأوهام و....

 

 وبالخلاصة سلمت أمري لله واتكلت عليه ونعم الوكيل، المهم أنزلوني إلى العمليات في القبو، وبدأ العاملون فيها بتحضيري للعملية ولكن المفاجأة المذهلة على الأقل بالنسبة لي قول الطبيب تأجلت العملية، وأعادوني إلى غرفتي في الطابق الرابع، وكان السبب عدم حجز مكان لي في العناية المشددة قبل بيوم لاجراء العملية، كما أوصى طبيب القلبية والآن لا يوجد مكان لي، والصدمة كانت هائلة، والأمر لله والصبر جميل....

 

 وفي موعد العملية الثاني جرى اخطر وأبشع عملية تحضير للعملية، فقد شربت الأربع ليترات من المحلول لتنظيف الأمعاء، لكن احتبسوا في بطني وأبت أن تتزحزح قطرة وتخرج، وتحملت آلاماً لا تتحملها الجبال، فقد خظر لي بان أبعج بطني من شدة الألم ...، وفكرت أن أنام رغم هذه الآلام، وفعلاً نمت لعشرة دقائق أو أكثر أو أقل، وعندما استيقظت كان الفرج وفرغ ما في بطني دفعة واحدة،.استرحت وحمدت الله وشكرته على الفرج الذي جاء من عنده...

 

 وتكررت ليلة العملية بالهواجس والتوقعات المتفائلة والمتشائمة، وهي متزاحمة ومتداخلة، وانتهت بالتسليم والتوكل على الله ونعم الوكيل وأنا المريض فكيف زوجتي وولدي اللذان كانا معي، وأكيد انتابتهم كل الظنون والاحتمالات والخيالات كما في الموعد السابق، والانتظار بشكل عام من الجميع مقلق ومضني ومفزع ولا ينتهي إلا بسماع كلمة الحمد لله على سلامته، وللمفاجأة إنني لم احتاج بعد إجراء العملية من قبل الطبيب الجراح نزيه زغيبة وفقه الله وجزاه خيراً عنا إلى مكان في العناية المشددة، وخصصوا لي أحدهم لمراقبتي بتحاليل الدم والضغط والنبض أكثر من مرة في اليوم واستمر هذا ليومين، وكنت أعاني من الأنبوب الذي وضعوه في المعدة عبر الأنف، وطلبت نزعه بعد ثلاثة أيام على شرط إعادته إذا دعت الضرورة، ولم تحدث، وكان المفجر الأيمن يعمل بصورة طبيعية، ونزعوه بعد ثلاثة أيام على الأغلب، أما الثاني فكان لا يعمل ولم تأت منه نقطة إلى الكيس، واستمر لأكثر من ثلاثة أيام بخروج الماء من حول الأنبوب، ولم يخطر ببال أي طبيب أن يفكر قليلاً في الذي حصل معي، فالماء يبلل ثيابي، وكذلك الشراشف ولم يتوقف، إلى أن ألححت في طلبي بإيجاد حل لهذه المعاناة

 

 فقام أحد الأطباء مشكوراً ونزع المفجر، فإذا به مسدود من البداية بخثرات دموية وارتحت، وعاد مكان المجفر لطبيعته تماماً كما الأول، ولكن المفاجأة كانت بعد ستة أيام من العملية، فقد كان سلس البول والبراز معاً، ولا أتمكن من النزول عن التخت ، والوصول الى الحمام، فأفعلها أثناء الجري والمصيبة أن الإسهال زاد في الطين بلة، وقضيت قرابة ثلاثة أيام، وكانت الأسوأ والأصعب ضرراً جسدياً ونفسياً، وبعد انتهاء الفيضان قررت الخروج من المشفى، رغم حرص الطبيب على بقائي ليلة للراحة والتأكد من سلامة العملية، ومن سلامة الآثار الناتجة عنها، وهي سليمة ومطمئنة، لكن إصراري على الخروج من المشفى كان أقوى من السبب الذي أبداه الطبيب، إنني قضيت ليلتين كان المرافقان زوجتي وولدي نابغ يتعبان لأنهما لا يتناوبان النوم والسهر، فصعبت عليهما وعلي بالإضافة إلى أنني أحسست بالغرفة تضيق علي وتكاد تخنقني، وتقبض على أنفاسي وخرجت من المشفى.....

 

وكل الذي عانيت يهون على التحضير للعملية وما أعقبها، فهذا أسهل تحملاً بالصبر والإيمان، فقد كانت العملية كما قال الطبيب ناجحة، وكلما كشف عن الجرح قال أنه ممتاز ونحن نصلي على النبي وذلك بفضل الممرضة التي كانت تغير على الجرح كل يوم ظل سليماً، تستحق الشكر، وكان الطاقم الطبي في الجراحة الأولى في غاية الأخلاق والمعاملة الحسنى من الطبيب الجراح نزيه زغيبة إلى كافة العاملين في الجراحة طاقم التمريض برئاسة عبدالله أبو نادر الذي كان في غاية الكرم والطيب ولم يبخل علينا في أزمة سلس البول والبراز المذكورة المرعبة من شراشف وقطع النشافة والى الجميع أفضل الشكر والتقدير والامتنان، والدعاء لله بأن يحميهم ويوفقهم، ويعينهم على خدمة المرضى شفاهم الله....

مضت العملية بخير وسلام...

 

السلام عليكم وعلى سوريا.

 

 

دمشق آب 2013                                                                                    نصر زينو

2013-09-16
التعليقات
ملتاعة
2013-09-23 08:44:12
والله ملتاعة
الله وحده قادر يشفيك بإذن الله خلي ايمانك بربك كبير ويفرجى عليك وعلى البلد

سوريا