syria.jpg
مساهمات القراء
مقالات
أمريكا...وتغيير قواعد اللعبة السياسية في سورية ... بقلم : الدكتور خيام الزعبي

 في الوقت الذي تستعجل فيه موسكو جمع ممثلين عن السلطة السورية والمعارضة حول طاولة واحدة على أراضيها، تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تسويق خطة الحل السياسي اللبناني بعد الطائف لحل الأزمة السورية، والتي تستنسخ الكثير من تجربة الحرب اللبنانية، في إطار ذلك ما زالت واشنطن تشكل العقدة الأكثر ضرراً في مشروع التسوية السورية ومشروع مكافحة الإرهاب الدولي في المنطقة.


بعد أن فشل الرهان الأمريكي على الربيع العربي لإسقاط الدولة السورية وبعد أن غامر الرئيس أوباما بكل رصيده، سواء محاولته لإستغلال التحولات الكبرى، أو ضعف الدول العربية وشرذمتها، وخلافاتها التي وصلت إلى حدود التحالف مع القوى الغربية، أو من خلال مساندته ودعمه للدواعش أينما كانوا، تيقن الغرب أن الفشل في سورية هو سيد الموقف وإنه إن لم يتم تدارك الأمر فان أحلامه بالسيطرة على منطقتنا ومستقبل دولته المصطنعة على أرض فلسطين في خطر

 

 وأن الجهد الذي بُذل طوال السنوات الماضية سيذهب إدراج الرياح وسيتغير وجه المنطقة ومسار الصراع، فكان لا بد من إستثمار الإرهاب من جديد، لتفتيت سورية لدويلات متنافرة ونشر الفوضى الخلاقة، ومنع محور المقاومة من الدخول في مرحلة هزيمة المشروع الغربي، كما أرادوا لشعب سورية عدم الوقوف مجدداً، وتدمير كل ما بقي لديه من مؤسسات وبنى تحتية وإقتصاد ومظاهر دولة لتحقيق مشروعهم الكبير.

في إطار ذلك وبعد أن تيقنت واشنطن أن إزاحة الأسد باتت مستحيلة بالنسبة إلى الأميركيين وحلفاؤهم بعد إستنفاذ الفرص، وعليه فإن الإستسلام الأميركي تجاه بقاء الأسد لن يكون بالطريقة التي يرسم لها الروس والإيرانيون، على أقلّ تقدير، لذلك فإن إضعاف الحكم سياسياً مع بقاء الأسد هو الحلّ البديل للتدخل في سورية والتحكم بمقدّراتها ومصيرها، وكانت أميركا قد أخذت على عاتقها تعزيز وتسويق الحل السياسي اللبناني بعد الطائف أي بعد 15 عشر سنة من حرب أهلية دامية أنتجت إتفاقاً يقسّم الحكم بين الطوائف، لم يثبت يوماً أنه الحلّ الصحيح والجذري لمشاكل لبنان، ولم يثبت يوماً أنه قادرعلى توحيد ورصّ صفوف شعبه في مواجهة الأزمات الكبرى، وهنا يمكنني القول إن سورية التي شاركت في صنع هذا الحلّ، تعرف جيداً نقاط ضعفه وبالتالي لا يمكن لسورية القبول بحلّ تعرف نقاط ضعفه وليس من الممكن أن تقع في هذا الفخ الذي ترسمه واشنطن لسورية.

وإنطلاقاً من ذلك تريد واشنطن عبر خطة دي ميستورا من دمشق أن تزيل تحفظاتها حول مشاركة بعض رموز المعارضة في الحوار والحلّ السياسي، الذين هم في الأساس أدواتها وبعد ذلك دمجهم ببنية الدولة السورية الجديدة، لتحقيق مصالحها في إقتطاع جزء من كعكة الحكم في سورية وتثبيت أقدامها عميقاً في مفاصل الدولة، كما تريد من دمشق أيضاً أن تتساهل في الحلول الأمنية بصورة تحفظ وجود مجموعات مسلحة تسيطر على أحياء ومناطق مختلفة من سورية، "كالحلّ المقترح لتجميد القتال في حلب"، وتعميم هذا النموذج على مناطق أخرى في القطر، هذا يعني إننا أمام مشهد لآلاف المسلحين الذين سيتقاسمون مع الدولة السورية حمل السلاح، بمعنى دمج الميليشيات بالجيش والقوى الأمنية، على الطريقة اللبنانية

 

 وبذلك تضع أمريكا وحلفاؤها يدها على السلطة بواسطة عملائها المسلحين برتبهم المختلفة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، فضلاً عن التغاضي السوري عن مشروع تجميد القتال وتنفيذ القرار الأممي 2170 والقرار 2178 الخاصّين بإقفال الحدود أمام السلاح والمسلحين، الذي يعني إبقاء خطوط الإمداد بالرجال والسلاح إلى المجموعات المسلحة، ومنحها رعايات إقليمية متعدّدة، حسب الولاءات للدول المساهمة في تفتيت وتقسيم سورية.

إن التقلّبات التي مرت بها المجموعات المسلّحة في سورية كانت في مجملها مضبوطةً على إيقاع جهات إقليمية ودولية، مع تغير ضابط الإيقاع بين مرحلة وأخرى، وفي ظل إشتداد المعارك في الداخل السوري، ووقوع مئات الآلاف من القتلى والجرحى، ما زال يحاول مبعوث الأمم المتحدة الخاص بالأزمة السورية، إقناع الغرب بتنفيذ خطته لوقف القتال، لكن المراقبون يؤكدون أن هذه الخطة قد تواجه الفشل، مرجعين ذلك لعده أسباب منها صعوبة التوصل لإتفاق مع الجماعات المسلحة، وصعوبة ضمان تنفيذه، ووفقاً لثوابت المعادلة السورية، فإن تلك الخطة لن تحظي بالنجاح في تصوري لعده أسباب، منها ان تلك المناطق المستهدفه تسيطر عليها جماعات وتنظيمات لا تعرف بشرعية التفاوض مع النظام، وتلك الجماعات يصعب أخذ العهود عليها، أو إلزامها بشكل دولي لتنفيذ الإتفاق

 

 وبالتالي فإن هذه الخطة، لن تنجح، إلا بمباركة أمريكية لها، الأمر الذي سيتطلب من واشنطن تحديد موقفها من الأحداث القائمة، هل هي مع الجماعات المسلحة أم ضدها؟، وإنطلاقاً من ذلك فإن الإدارة الأمريكية لن توضح موقفها من الحرب السورية، للمضي قدماً في تنفيذ مخططها الهادف لضرب البنية التحتيه للدولة السورية.

فالمطلوب اليوم من المعارضة بكل فئاتها بعد كل ما حدث في سورية ولسورية من دمار وقتل أن تلتقط "خيط نجاة" لسورية ولو لمرة واحدة، لأن بقاء سورية هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يبقى وأن يحفظ للشعب السوري بعض ما يأمله، لذلك لا بد من مراجعة مشاريعها وأجنداتها فهي لم تعد الرقم الصعب على أرض الواقع، ليست هي القادرة على فرض مشروعها السياسي إذا ما قارنت وزنها العسكري الفعلي على أرض الواقع مقارنة بكل من داعش والنصرة والمنظمات التكفيرية الأخرى، وإذا أخذنا في الإعتبار أن سورية أصبحت بين سيناريوهين، أن تبقى موحدة، وهذا إحتمال يفترض هزيمة ودحر الإرهاب وتجفيف منابعه، أو أن تقسم أو تجزأ ضمن مشروع داعش أو المجموعات المسلحة الأخرى، وهذا يفترض مواجهة كل المؤامرات التي تحاك ضد سورية.

وأخيراً أختم مقالتي بالقول، إن الأوضاع في سورية اليوم تستلزم تحركاً سريعاً لوضع حد نهائي لمثل هذه الفوضى التي بدأت تهدد الأمن والسلم الدوليين مع الأخذ بالإعتبار التطلعات الشعبية لمختلف الأطياف وعدم إهمالها كي لا تعود للإشتعال مرة أخرى، كون أن الأحداث والوقائع التي عصفت بسورية أكدت فشل الحلول العسكرية والأمنية، وأن السبيل الوحيد لإنقاذها من التقسيم وطناً وشعباً، هو الحلول السياسية، الكفيلة بالمحافظة على وحدة البلاد، وتجنيبهما دواعي التقسيم وإغلاق الباب على التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للدول التي حولت الساحة السورية إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.

 

 

https://www.facebook.com/you.write.syrianews

2015-02-16
التعليقات