syria.jpg
مساهمات القراء
قصص قصيرة
رحلة مروان إلى الموت . بقلم : محمد نجدة شهيد

وصل مروان إلى دبي وعاد ليسكن في غرف صغيرة ملحقة بأسطح الأبنية في حارات منزوية لا اسم لها . كان يعيش في عذاب مقيم يُلهيه الأمل في العودة والانتقام من جديد . تزوج للمرة الثالثة من بنغالية كانت تعمل في تنظيف فرع المخزن وفي أماكن أخرى . يأتي إليه كل صباح إثنان من سائقي فرع المخزن هناك يقوم أحدهما بمرافقته في تجواله كالأبله في الأسواق للبحث بعينين زائغتين عن أشياء لا وجود لها ، ويبقى الآخر عند زوجته كارمن ليساعدها في قضاء حوائجها وتدبر شؤونها . حقاً يا له من لص نذل .


ظل في داخله خوف يأكل الروح أن يعود من جديد إلى حياة الجوع والخوف في شوارع المدينة حيث يوجد أناسه الحقيقيون .كانت إغماءة قصيرة تبعتها يقظة قاسية أدرك بعدها أن المجد الزائف السابق كان مجرد وهم من الأوهام إرتبط بعجوز مصاب بالربو والتخمة اليومية يدهمه دائماً إحساس الموت المفاجئ .. لذلك ينام ويده حول عنقه . أخذ يعيش لحظات الهرب الدائمة وأشواك المهانة الدامية حول رأسه . يُحاول أن يُوهم نفسه أنه ليس نبتاً شيطانياً ،لا ظل له ولا جذور مجهول النسب والأصل .
 


لم يكن المدير العجوز صديقه فقط بل كان أستاذه وتجربته الأولى في هذا العالم وهذا ما جعل إحساسه بالألم والمهانة يتضاعف عندما خذله في آخر المطاف . كانت هزيمته مخزية ومدوية . ظلا في الآونة الأخيرة يتحاشيان النظر إلى بعضهما وكل واحد منهما يتحين الفرصة ليهرب قبل صاحبه . كان يجب على مروان أن يدرك في وقت من الأوقات أنهما وصلا معاً إلى نهاية الطريق .
 


كان وجهه جائعاً وشاحباً . وأصبحت روحه متعبة وحلقه جاف . كان يرى ما داخل نفسه ، يرى روحه المتعبه القلقة وهي تتوجس خوفاً من القادم الذي قد يأتي وقد لا يأتي أبداً .لم يجد من ينقذه من ورطته ومهانته التي طالت أكثر مما ينبغي . يا أيها الزمن تمهل قليلاً . كان هناك صراخ في داخله يحمل كل عذابات نفس شريرة خائبة توشك أن تقوم بتسليم صاحبها إلى أقرب مخفر للشرطة .
 

 


يرى زوجته كارمن في المنام كل ليلة تخلع ثيابها وهي تحرض عشاقها على قتله . بدأ يفقد قواه العقليه الضعيفة ، فكان كثيراً ما يرى في جوف الليل أشباح ضحاياه قد استطاعوا التسلل إلى داخل غرفة الشيطان وجاؤوا لمحاسبته ، فيصرخ بأنه يريد أن يُحاكم محاكمة عادلة قبل أن يموت أويُذبح أمام أعين الجميع وتحت الشمس في وضح النهار.
 

 


قال أنني أموت .. أسمع دبيب ملاك الموت . أنا مروان التعس .. لا تفوح من ثيابي سوى رائحة الطرقات والـدم . أحس بأشواك المهانة الدامية في ظهري.. بالعري والجوع . نفد الزيت من مصباحي ولازلت أتعثر في الظلام .. فقدت كل شيء .. خسرت كل شيء ..أي شيء بقي ولم أخسره بعـد ؟ كنت ألبس الحرير. أشرب من كؤوس الفضة . أتكئ على وسائد محشوة بالنعام . لكن ماذا يجديني والصفقة كلها ـــــ منذ البداية ـــــ خاسرة ..؟ كلها حرام بحرام .
 


كان المصير التعس يناديه . أراد الله سبحانه أن يُصيبه ببعض ذنوبه في الحياة الدنيا . لم يتحمل وطأة الوحدة وذل الغربة المهينة . كان يحس برغبة حارقة في البكاء بعد أن أصبحت حياته فوق هذه الأرض تغريبة مضنية . وقال لنفسه أنني خائف فقط وخوفي مميت . مجرد حلم طاف بذهنه أن يعود للوطن جثة ناقصة الأطراف بعد أن تنهشها كلاب الطريق .
 


وهكذا مات أخيراً في الغربة على قارعة الطريق مثل كلاب المدينة. لم يبكه أحد على قبر ولم يقم له عزاء ولا سلوى .تكوم مثل كلب ضال ، وأغمض عينيه في خوف وألم وقال وهو يغرق في ظلامالموت الكثيف :كم مرة أموت . كم نفس بداخلي ؟ متى تنتهي دورة العذاب ؟! وبدأت ساعات ساحات المدينة تدق في منتصف النهار بلا توقف تعلن موت المستخدم مروان وعالمه الأسود الذي كان مرسوماً فوق النعال البالية.
 


البدايـة .. أشتات الطفوله والشباب


.. ودائماً .. لا بد من البداية .. رغم تفاهة الأشياء .. لا بد من النبش تحت التراب .. بحثاً عن حروف الهجاء .حين سقط من رحم أمه إلى أرض الله القاحلة تلوثت مؤخرته بروث الزريبة التي ولد فيها ، حدقت فيه الحيوانات بعيونها الواسعة وهي تجتر طعامها ، كانت ليلة باردة ، وثمة نار واهنة تحت إناء الماء الذي يغلي . كان الظلام قد قطع كل طرقات قرية القناديل والبرد قارس . وأصوات الذئاب ترتفع من بعيد ، تجوس طرقات القرية الضيقة وسط البيوت الخائفة والناس المرتعدين .
 


كتمت عيشة صرخاتها حتى لا تؤذي أسماع السادة من آل الشماط الذين يتسامرون في فناء الدار . كانت تعمل خادمة ضائعة بين أرجلهم طعامها هو بقايا طعامهم . ظلت تنزف والدم يتسرب وسط أكوام التبن والعلف والروث فيزيد من قتامته .كانت عيشة إمرأة ضخمة ، حين خلعت ثوبها بدا جسدها ناصع البياض متألقاً وسط العتمة . توقفت الحيوانات عن المضغ ، واتسعت عيونها وتمددت أعضائها .
 


وفي الصباح جاءت إمرأة عجوز من الأجيرات لتنظيف الزريبة ، ووضعت الرماد في رحمها لعل سيل الدم يتوقف قليلاً ، دون جدوى . سألتها مراراً : من هو أبوه ؟ فلم تجرؤ على الاجابة . قالت لها : الموت أفضل لك ياعيشة . خسارتك في العار ياعيشة . ووضعت الطفل في زاوية الزريبة ثم نسيته تقريباً .وكان الشماط الكبير يقول عندما علم بالأمرأن عيشة ربما ضاجعت أحد الحمير داخل الزريبة وتخيلت أنه أحد أبنائه يزنقها بجسده الخشن. كانوا يتشاجرون في عنف ويتضاحكون في خشونة ينتهزون دوماً الفرصة كي يقفزوا على أية خادمة .
 

 


كف جسدها عن الارتجاف مع طلوع الشمس . صمتت تماماً وغمرتها البرودة . وظل هو أيضاً صامتاً كأنما كان خائفاً من أن يكتشفوا وجوده ، لم يستيقظ إلا حين لحست بقرة وجهه بلسانها العريض الخشن . دبت قوى الحياة البرية داخل جسده الصغير فبدأ يصرخ ، يعلن عن تواجده ورغبته في مواصلة الحياة ، لم يعطه أحد حليب . أعطوه فقط بضعة أعواد من الفصة الخضراء فأخذ يمتصها في شراهة ، ثم واصل حياته معتمداً على بقايا كل شيء ، انتزع حياته من بين أيديهم الشحيحة انتزاعاً .
 


ومنذ أن تركوه في الزريبة ينمو مع الحيوانات لم يشعر بوجوده أحد حتى أهل البيت . كانت هذه المرأة العجوزهي التي اكتشفت وجوده ، وربما هي التي نادته في البدء بإسم مروان ابن المراغة . نشأ وسط الحيوانات فأخذ من طباعها وشكلها ورائحتها . كان شاحباً وهزيلاً كأنه مات وبُعث في التو، لاأحد يدري لماذا جاء بهذا الشكل ، مغطى بالروث والقش ، فأخذت تزيح كل هذا من عليه وتغسله بالماء لعلها تعيد تكوينه في جو الزريبة التي يضيئها سراج خافت يبدد بصعوبة كثافة الظلمة .ولعل البقاء الطويل داخل الزريبة المظلمة قد أعطته هذه البشرة البيضاء .
 

 


وفي إحدى الأيام دخلت الزريبة إمرأة ، فقالت له كانت أمك عيشة صديقتي ولا بد أنها نذرتك لي. وأعطته نهدها . كانت هذه هي المرة الأولى التي يتلقف فيها نهداً ، والتي يعرف فيها فمه شيئاً بمثل هذه النعومة . ومن هذه اللحظة بدأمروان يشم رائحة الحيوانات ويشم رائحة نفسه . ويشم رائحة غيره من البشر .كانت المرأة تريد أن تبقيه لنفسها في ظلمة الزرائب إلى الأبد ، وأن يكون شاهدهما الوحيد هـو هـذه الحيوانات . كان يرتعد طيلة الوقت برغم حرارة الشمس . لم يكن يريد لأحد أن يعرف مدى الخوف الذي يحس به ولا الجوع الذي يُعاني منه .
 


عطـاف والذكريات المطموسة


تعرف مروان على زوجته الأولى عطاف . كانت معدمة مثله تعيش مع أبيها العجوز الذي لا يموت ولا يحيا في بيت متهالك على حافة القرية . كان يسعى إليها ليواصل أبوها طرده ، لم يكن يملك ما يقدمه لها سوى المزيد من الفقر .كان متشوقاً ان يقتنع أبوها أخيراً أنه يملك ما يؤهله للزواج منها ، وأن الشهادة العلمية ما بتهم في ذاتها بس بهالبلد هي مع الأسف الوسيلة الوحيدة المعترف بها للعمل.
 


قال لها مروان يوماً يا عطاف أهربي معي ، أخفت وجهها وبكت في صمت . قالت : أرض الله ضيقة وأبي لا يكف عن الموت . ولكنها أخيراً استجابت لإلحاحه في الطلب ورحلت معه للعيش في المدينة المزدحمة .فالقرية لم تكن مكاناً صالحاً للعيش . كانت تنظر كل صباح من النافذة تفاجئها المدينة الغريبة كأنما تتربص بها . كانت عندما تنام تحلم بالعصافير التي تقاوم الموت برداً .. كانت تحس بالريح الباردة كأنها قادمة من أقبية سرية .
 


وكان وجهها يبدو دائماً محمراً ولاهثاً من أثر صعود الدرج إلى مكان بيتها المرتفع على السطح حيث تمتد حبال منشور عليها الغسيل تحجب السماء . حارة ضيقة بلا اسم بيوتها متلاصقة في تحفز ينتشر في هوائها دمدمة غامضة في مساحة واسعة ممتلئة بأكوام القمامة وكل أنواع المخلفات . وعندما يهب الهواء يشعر المرء بالغثيان . كانت أكوام القمامة بلا نهاية بعضها لازال يحترق يتصاعد منه دخان بالغ السواد والكلاب تدور..وتلغ في القمامة .كان يقول لها أنه اختار لها هذا البيت العالي لكي تصبح قريبة من قمم الاشجار وترى تشابك الغصون وأعشاش الطيور .
 

 


احتار مروان كيف يكسب قوت يومه . وكان يثور عندما يذكره إنسان ما بأنه فقير. وبسيره المتواصل على حافة العدم .فكان يصعد إلى الباصات وياقة قميصه بالية وممزقةويعلن أنه يهب الجميع آية الكرسي ويتحدث عن مزاياها الربانية العجيبة ، ثم يهتف موضحاً أنه لا يبيعها . لأن كلام الله لا يقدر بثمن ، لكنه يطالب بهبة بسيطة لقاءها .
 


وكان في بعض الأحيان يعترض الناس في الطرقات يحكي لهم قصص مبتذلة عن معاناته وفقره إلى درجة لا يُمكن تصديقها . فيعطيه البعض ويمنع عنه البعض الآخر. عمل في بيع البطيخ والعنب في الساحات . كما عمل في تأجير الحمير في سوق ساروجة .كان أمله، بدون جدوى ،أن يتعلم حرفة ما تمكنه من كسب قوت يومه عندما ترك المدرسة وهو في الصف الثاني الابتدائي لضعف إمكانياته وقدراته الذهنية ، وبعد تعرضه لتجربة مؤلمة عندما شعر بلمسات خشنة لطالب أكبر منه سناً وهو يزنقه بجسده في حمامات المدرسة .
 

 


اعتقدت عطاف أن زواجها من مروان ينقذها من بيع جسدها بلا ثمن لكل ذئاب القرية الذين لا يكفون عن الحومان حولها . أمنية مستحيلة مادام كلاهما معدماً لا يملكان شيئاً من فتات الأرض . كانت محاولة يائسة لدفع خطر الجوع المتربص بها وكلام الناس وأكاذيبهم الصغيرة المنمقة .
 


لكنها فوجئت بمروان يُهين جسدها ويجرح عزة نفسها عندما فتح لهاأبواب الليل الخلفية . كان الرجال لا يكفون عن التوافـد إلى غرفة نومه يلوثون سريره بمنيهم . كما قام بدفعها للعمل في بيوت سرية وملاهي ليلية حتى الصباح حيث تتعالى اصوات الدفوف والغناء وصيحات المنتشين محاولاً اقناعها بأن ذلك سيكون لفترة قصيرة ريثما يتمكن من تدبر أموره وإيجاد عمل يوفر لهما مستلزمات الحياة والاستقرار .
 


أصبحت عطا فتشم كل الروائح ولا تستطيع الفكاك من رائحة العفونة .تنتظر الفرج الذي لا وجود له بعد أن سلبها مروان كلشيء حتى ماء الوجه . يمضي كل أوقاته في الأكل بنهم مثل الأنعام . لم يعد هناك جدوى من الاحساس بالزمن .أصبحت أشبه بثوب ممزق لا سبيل إلى إصلاحه .تتكاثف ذرات المرارة في داخلها .. توقظ الحزن الباهت والذكريات المطموسة .
 

 


وفي يوم من الأيام شعرت بثقل في بطنها وبغثيان شديد .ملأت المرارة فمها يندفع من جوفها سائل حارقوتبدأ في التقيؤ. قالت لها صاحبة الدار الذي تعمل فيه ،بعد أن لاحظت أن بطنها منتفخ ، بإنها حامل ونصحتها بإسقاط الجنين لتستعيد جسدها نظيفاً وتواصل عملها . رفض مروان الفكرة على الفور وقال لها : لا لا هيه رزقه ما بيصير. بعدين هادا حرام ما بيجوز .
 


وعندما جاءها المخاض إنزوت في غرفة منعزلة في الدار يفوح منها خليط من رائحة الدخان والنبيذ والعطور. وبدأت البنات الأخريات العاملات في الداريتزاحمن حولها بوجوهشاحبةومنتفخة من أثر النعاس ، ملتصق بها بقايا المساحيق والحمرة . كن صغيرات السن ، أكبر منها بقليل . تفوح منهن رائحة عطورهن مختلطة بعرق الرجال .

وضعت عطاف أخيرا ًالطفل الذي اسماه مروان عندما علم بالخبر باسم شادي . سألوها : من أبوه ؟ فقالت إنها لا تعلم . فالليالي متشابهة والرجال في الظلام متشابهون . خافت عليه. وعندما تعافت ذهبت به إلى بيت أمها في القرية وهو لايزال قطعة غضة من اللحم، وتركته هناك وعادت لتواصل عملها في الدار .
 


طعم الحب في زمن الحرب


توقفت في إحدى الليالي لبرهة على الدرج قبل أن تواصل صعودها إلى البيت .كان غياث يتلمس طريقه أيضاً على درج البناء المتآكل. وعندما أصبح بجانبها سألته إن كان معه قداحة . فقال لها مازحاً : شو بدك تشعلي سيجارة ، وتابع طريقه .ضحكت عطاف بانشراح وواصلت صعود الدرج الذي بدا لها بلا نهاية لتلتقي به ثانية وهو يقف أمام باب بيته يمسك بقداحة يضيئ لها الدرج ، وسار معها حتى وصلت باب بيتها على السطح .كان غياث شاب في مقتبل العمر مفعم بالقوة والنشاط ، يؤدي الخدمة الالزامية في إحدى قطعات الجيش في أعلى المدينة .
 


وفي صباح اليوم التالي سمعت طرقاً خفيفاً على الباب الخارجي .. تداخل الحلم مع اليقظة لبرهة وجيزة .. تواصل الطرق الخارجي .. سارت حتى الباب وقال صوت خافت :
 


ـــــــ صباح الخير..نظرت عواطف من خلال ثقب الباب ، فرأت غياث.. خطا داخلاً قبل أن تقوم بأي فعل . كان فيه شيئ آسر لم تستطع مقاومته . أخذها على الفور بين ذراعيه وأخذ يدور بيده على ظهرها . قبل عنقها ومفرق نهديها فهمست محذرة سوف تتلف ثوبي. لم تكن الأريكة مريحة .. وكانت شراشف السرير متسخة فشعرت عطاف بالخجل . وأخذ يفك أزرار ثوبها بتوتر ظاهر. بدأ نهداها مستديرين وضع رأسه بينهما وحلم بقوس قزح أحمر كالرعد .
 

 


رأى على بطنها شامة غريبة بنية فاتحة . كانت نقطة كبيرة في الوسط تحيط بها نقاط صغيرة متناثرة كأنها شمس صغيرة .قالت له كانت أمي تقول أن هذه آثار أصابع أحد الجن الذين يسكنون تحت الأرض ولا بد أنه وقع في غرامي وأنا صغيرة . أمسك رأسها الصغير بين يديه وأخذ يطوف بشفتيه فوق وجهها . كان جسدها مسترخياً فوق صدره يوقظ بداخلها كل أشواق الحرمان .
 


وفي يوم من الأيام طرق الباب خفية كالمعتاد ، فنظرت من ثقب الباب للتأكد من الطارق فرأت غياث بصحبة شاب آخر بلباسه العسكري . ترددت في فتح الباب وأخذت تتساءل عن سبب وجود هذا الشاب . وسرعان ما قررت عدم فتح الباب ودخلت إلى المطبخ وبدأت تشغل نفسها بتحضير وجبة الغذاء. لم تفهم سبب وجود شاب آخر مع غياث .
 

 


وفي اليوم التالي تكرر الموقف وحارت فيما تفعل . فتحت الباب أخيراً وسرعان ما دخل غياث ورفيقه الذيتحول وجهه كله إلى حدقتي عين وهو يحاول أن يستجلي كل ملامح بدنها الذي يدب فيه دفء الحياة ، تندفع كل رغباته وغرائزه إلى عينيه فيفتحهما إلى أقصى ما يستطيع ويشع منهما بريق داعر ويحرك صدره متنفساً في قوة وعمق .
 


نظرت إليه في استغراب شديد بوجه محتقن. أصيبت بصدمة كبيرة عندما طلب منها غياث أن يختلي رفيقه بها أولاً . بدأت الأشياء تنزاح في داخلها إلى الوراء في عنف . ظلت صامتة لا تتحرك لفترة ، ثم زفرت في سخرية وغيظ وأجهشت في البكاء وهي تسأله بصوت مخنوق كيف يُمكن أن يحدث مثل هـذا .
 


مدت يدها إلى صدرها وأخرجت من بين نهديها لفة صغيرة وقالت له في لهجة باترة هـذا ما يكفي من النقود حتى يختلي صاحبك بإمرأة أخرى . تلكأ غياث بعض الشيئ ولكنه غادر أخيراً مع صاحبه وقد بدأ يحس بالهزيمة وبالدهشة الشديدة في نفس الوقت .

الأحلام في أيام الحرب لا تلد إلا السراب


تركت عطاف ذات ليلة بيت مروان ورحلت مع غياث وما حسبت أنها ستعود أبداً.أعتقدت أنه يُمكنها أن تستعيد مع غياث جزءاً من حياتها الضائعة .أرادت أن تبدأ حياة جديدة بعيداً عن مروان وعالمه الأسود . ولكنها سرعان ما وجدت نفسها وحيدة في البيت ، وكان غياث قد ذهب بعد أن انتهت إجازته الشهرية . أصبحت وحيدة في عالم يعمه السكون . ولم يكن أمامها إلا انتظار الرسائل . كان هذا هو طعم الخفي زمن الحرب. كانت تحتفظ بصورته معلقه أمامها دائماً حتى لا تبهت ملامحه في ذاكرتها . ولكنها ظلت تبهت والطائرات تئز والليالي تمر دون لمحة من أمل . الهواء الساخن مشبع بالبارود ، والسماء تظل حمراء أياماً متتالية .
 

 


كانت أيام الحرب طويلة ، والموت ترك بصماته في كل بيت . كانت تصلها رسائل ركيكة منه تحلم في سطورها العرجاء بيوم العودة والراحة . وأبداً أبداً لا يأتي هذا اليوم . حتى جاء الخطاب المحدد ذو الكلمات الباترة . يتحدث عن البطولة والتضحية . يتحدث عن الشهادة . وأصبحت عطاف وحيدة إلى الأبد .. تنتظر الفرصة التي قد لا تأتي أبداً .
 


ماتت عطاف بعدها بفترة قصيرة من الجوع والقهر . كانت ميتة منذ زمن بعيد . زرعت فيها السنوات التي قضتها مع مروان حقولاً قاحلة . وترك فيها الحلم بلا أمل بقايا من الرماد ملئت داخلها حتى ماتت .وفي لحظة غروب الشمس هتفت أمها بإسمها ولم تجد سوى الصدى والموت . سارت مع شادي بخطوات متكسرة نحو قبرها كأنها تخشى السقوط . وضعت على القبر قبضة التراب الأولى . ثم وضعت قبضة التراب الأخيرة.
 


تذكرت كم عاشت عطاف مسكينة وماتت مسكينة . كانت نظراتها فيها نوع من القناعة والرضا بالمقسوم .كانت لا تجيد الطبخ تحاول دائماً أن تظهر كل فنون الطبخ في قرص البيض المقلي . قالت لها يوماً عن مروان إنك عشقت بائساً حقيراً لا يحلم حتى بموطئ قدميه .
 


حصاد زرع لم يثمر


كان قـدر مروان أن يقابل مديرأ  كرش أعمته شهوة الإنتقام ،لا يملك أبهة السلطة ولا دلائل العزم ، ويرتبط مصيرهما معـاً . عمل لديه كمستخدم في قبو مخزن كبير وسط المدينة بُني على الخوف وتحول مع الأيام إلى ساحة موت مفتوحة لا توحي بأي أمان . وسرعان ما استحوذ مروان على المدير الأكرشالذي يبدو مُنهكاً طيلة الوقت ، وبسط ظله الثقيل فوق كامل المخزن لأسبابلم تتضح كاملة حتى بعد وفاته .
 


كان مروان يريد أن يتقمص أي مظهر من مظاهر السلطة في المخزن . وأخذ ينتهز الفرصة ويمد أصابعه إلى كل مكان تتدفق منه الأموال. ولم يعد سيره لاهثاً متوتراً مثل الأيام القديمة التي أذاقه الله فيها لباس الجوع والخوف.فهجرذاكرته القديمة وعاش حلمه المزيف في بيت الشيطان المظلم فلم يفق منه إلا على الموت. أصبح يمضي طيلة الوقت هناك مثل حيوان مرعوب يختبئ في الظلام. يتحسس بأصابع مرتعدة الأموال التي جمعها من كل أوجه الحرام . كانت باردة ككل شيئ يحيط به .
 


كانت هناك لوحة جدارية ،طوق نجاة لمن أراد ، معلقة في بهو المخزن يراها الجميع كل يوم مكتوب عليها آية قرآنية كريمة بخطوط ذهبية ليتعظ الناس بها" إن ربك لبالمرصاد " .لكن مروان لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة .
 


وكان هناك شعور غريب يراوده باستمرار، بحكم نشأته الأولى في الزريبة ، وهو أنه تحول إلى حمار بكامل المواصفات تؤهله للانتساب إلى نقابة الحيوانات في حارة القرباطي . لكنه كان كلما نظر إلى المرآة يرى نفسه حصاناً جامحاً . يحاول أن يصرخ صرخة حيوانية مثل صهيل الحصان . كانت هـذه مشكلة يُعاني منها الكثير في ما يبدو . ومنذ اللحظة التي تحول فيها مروان إلى حمار ، وهو يحلم بقطعة من النابلسية على رغيف تنور ساخن حتى أن هذا الحلم شغله عن رغبته الملحة في العودة إلى هيئته الآدمية .
 


لم يكف عـن التجوال مع صاحبه العجوز الأكرش الذي كان يضع أمامه في مواسم الخضرة كومة من الفصة الخضراء . وفي مواسم الجفاف يضع جوال من التبن الأصفر .يلسعه طوال النهار بطرف السوط على ظهره ويحثه على الإسراع دون داع . وفي المساء يجلس أمامه بوجه يشبه الوجوه المرسومة على جدران المقابر ويبكي.
 


كان هذا العجوز الأكرش بقامته القصيرة وجسده المكور يُخفي خلف خوف مروان خوفه ، وخلف بكاء مروان بكائه. حكى لهيوماً عن حلم رهيب يلاحقه بإستمرار .. كابوس يرقد على قلبه كل يوم .. كان دائماً يلهث وهو يرتدي قميصاً ملوثاً بالـدم . قال له إن الحلم يتكرر دائماً ولذلك أصبح يخشى النوم .
 

 


تثاقل ظله فوق المخزن والعاملين فيه بعد أن أطال البقاء حتى أصبحت عظامه بارزة ونظراته ذاهلة ولم يعد يدري من الذي يقف أمامه . مات من الربو أو من التخمة بعد أن جرؤ الموت عليه أخيراً . قليل من الناس كانوا يصدقون أنه قابل للموت . وعندما أغلقوا باب القبر عليه ، وعرف أنه أصبح لوحده بدأت تنسال في قلبه خيوط الكآبة والندم . وأخذ يبكي كما لم يبك من قبل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 


https://www.facebook.com/you.write.syrianews/?fref=ts
 

2016-09-18
التعليقات