syria.jpg
مساهمات القراء
مقالات
الصحّافون كانوا مصيبة العراق واليوم هم مصيبة سورية ولبنان...بقلم : د. عبد الحميد سلوم

الصحّافون تعني أتباع مدرسة محمد سعيد الصحّاف الإعلامية، وهو آخر وزير إعلام في نظام صدام حسين.. إنها مدرسة تقوم على الكذب ثم الكذب ونكران الواقع وغرس الآمال الوهمية ريثما ينهار كل شيء ويهرب الكذابون متوارون عن الأنظار لا يَقدرون على مواجهة الحقيقة ويبقون كذلك حتى يتمددون على أسِرّة المرض والموت..
 


*من لا يتذكّر كلام محمد سعيد الصحاف عن "العلوج" الأمريكان خلال غزو العراق في آذار 2003 وكيف ستحولهم المغاوير العراقية وفدائيو صدام إلى طعمٍ لأسماك البحر، وسوف يعيدونهم بالتوابيت وتنشغل كل طائرات أمريكا بنقل الجثامين فقط!. وكلما نشرت وكالات الأنباء أخبارا عن تقدم القوات الأمريكية هنا وهناك كان يخرج محمد سعيد الصحاف ليُفند تلك الأنباء ويكذبها ويُبشِّر أنصاره بأن قوات المغاوير العراقية حاصرتهم في هذا المكان أو ذاك المكان وقطعت عنهم الإمدادات والماء والغذاء وحتى أنهم سدُّوا عنهم كل منافذ الهواء وما عاد أمام القوات الأمريكية سوى الاستسلام أو الموت خنقا وجوعا!!. وكان يطلب من الصحفيين أن لا يصدقوا أكاذيب الأمريكان وأكاذيب بعض الفضائيات العربية وإلّا يصبحون كذابون مثلهم!.

*وهكذا استمرّ الكذب حتى استيقظت الناس على سقوط بغداد المُدوِّي واحتلال القوات الأمريكية لها واختفاء كل القيادات العراقية وأولهم الصحّاف!.

* الصحّاف كان فردا، ولكن للأسف فإن مدرسة الصحّاف (المُنطلِقة بالأساس من مدرسة الإعلامي المصري أحمد سعيد أيام المرحوم جمال عبد الناصر)، تتجدّدُ في سورية ولبنان حتى بات هناك مئات الصحّافون من سياسيون وإعلاميون ومحللون (استراتيجيون) بِفن المكابرة والعناد ونكران الواقع وتوزيع الأوهام والأحلام بعيدا عن ملامسة الحقيقة المُرّة والمريرة.. فهذه يرفضون الاعتراف بها ويريدون صرف أنظار الناس عنها، وكأن الناس ساذجة لا تراها ولا تعيشها!. ولولا الروسي لما كان يعلم إلا الله ماذا كان حلَّ بهؤلاء الصحّافون الجُدد!.

* إنها كارثة حقيقية حينما تصغي لهذه المسئولة أو ذاك المسئول وهم يتحدثون عن ابتعاد الخطر عنهم وعن سُلطتهِم، وأن مشروع التقسيم لسورية انتهى (ونتمنى من كل قلوبنا ذلك) وزمن التدخل بات خلف الظهور، ويشعرون بذلك أنهم منتصرون وبإمكانهم المضي مجددا بذات الدّرب الذي جرّ على سورية كل الويلات والكوارث، ولا يرون كل الدمار والدماء والمآسي الاجتماعية والاقتصادية في البلد، بل يعتبرون هذه الأمور مسائل ثانوية لا تستحق كل ذاك الاهتمام مقابل ابتعاد الخطر عن كراسيهم ومناصبهم وعروشهم!.. فالمهم ليس سورية وليس شعبها وليس دماء أبنائها، المهم هو سلامة نظام الحكم ومسئوليه واستمرارهم في المناصب حتى لو أصبحوا على العكازات، وتستمر مكاسبهم وامتيازاتهم، ودون ذلك يرخص كل شيء، الوطن وأهلهِ من طبقة الفقراء!. فمِن أين سنأتي بوزيرٍ جديدٍ يحمل إجازة جامعية من القاهرة ولا يعرف أن يتحدث جملة إنكليزية صحيحة!!. ومن أين سنأتي بِسفيرٍ جديدٍ يحمل إجازة جامعية من بيروت ولا يعرف كلمة بلغة أجنبية في الدنيا!..

* سورية اليوم بِحُكمِ المُفتّتة بتوافق روسي أمريكي تحت عنوان اتفاقات "خفض التصعيد" وهناك من يقول لك أن التقسيم بات خلف ظهورنا.. لم يبقى أحدا راغبا في التدخُّل في سورية أو الولوج فيها إلا وفعل ذلك وهناك من يقولون لك أن زمن التدخُّل انتهى.. أليستْ هذه هي مدرسة محمد سعيد الصحاف؟.

الرئيس التركي يقول شخصيا في نيسان 2017 أن لا أحدا يهتم لوحدة سوريا، وأن ما يجري حاليا هو تقسيم لها قطعة قطعة!..

سيادة سورية لم يبقى لها أثرا إلا في كلمات وزير خارجيتها والتي تخرج بصعوبة .. القواعد الأمريكية باتت في سورية أكثر من أي مكان بالعالم وهناك من يتجاهل كل ذلك وكأنه غير موجود!. تذكرتُ كلاما لفتاة تعمل في إحدى المؤسسات وحين أخرجتْ السيكارة وأشعلَتها قلتُ لها ألَم تقرئين ما هو مكتوبٌ على العلبة عن خطر التدخين؟. فقالت أنا لا أرى ذلك!..

الجيش الأمريكي بات يسرح ويمرح فوق معظم الأراضي السورية وأصبحت لديه العديد من القواعد العسكرية الجوية والبرية في شمال سورية وحتى شرق دمشق على الحدود مع العراق، بل تحولت المطارات اللبنانية القريبة من الحدود السورية، كما مطار حامات ورياق وغيرها إلى قواعد عسكرية أمريكية تضم مئات الجنود والخبراء وهناك من أصابه عمى البصر والبصيرة ويقول لك أن أمريكا تنسحب من المنطقة واهتمامها بات في شرق آسيا!. مع أن اهتمام أمريكا بشرق آسيا ليس بجديد وهو اهتمام قديم، ولكنه قد يزداد وقد ينخفض بحسب الظروف والتطورات!.

*إسرائيل تسرح وتمرح كيفما تشاء في الأجواء السورية وتقصف متى ما شاءت دون أي خشيةٍ أو رادعٍ من أحد، حتى أصبح الأمر عاديا ومألوفا ولا يستحق أن يُذكر بالأخبار!. بل إسرائيل باتت جزءا من القرار الدولي في سورية ومع ذلك تتدلل لأنه لم تُستَجَب لشروطها بالكامل في إخراج إيران وحزب الله من كل الأراضي السورية وليس فقط من الجنوب.. ويؤكد صهاينتها ليلا نهارا أن الجولان باتت في خبر كانَ (وجزءا من أرض إسرائيل ولن يتم التخلي عنها)..

الكل ارتهن ورهنَ سورية للغرباء وهناك من يحدثك عن العزة والكرامة الوطنية للأشراف والأحرار الذين لا تنحني رؤوسهم!!..

كل المناطق التي سيطرت عليها "قوات سورية الديمقراطية " يديرها مستشارون أمريكان وأسّسوا فيها مجالس محلية وإدارات تعمل تحت إشرافهم.. وهناك حديثٌ جديٌ عن فيدرالية كردية في الشمال ويتحدثون عن انتخابات قريبة أيضا!..

تركيا سيطرت على ألفي كيلو متر مربع، وقد تسيطر على المزيد بحجة الخطر الكردي على أمنها القومي، وحتى تمنع الأكراد من الوصول إلى مياه المتوسط...

أكثر من 80% من الشعب السوري يعيش الفقر المدقع، مع أكثر من 6 مليون نازح في الداخل و 5 مليون لاجئ في دول الجوار، عدا عن مئات الآلاف الذين غادروا الوطن وانتشروا في ديار الله الواسعة حاملين معهم قصة وطن وحكاية موتٍ ودمارٍ لم يشهد لهما أحدٌ مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية..

مئات الآلاف باتوا في القبور، ومئات آلاف اليتامى والأرامل والثكالى، والشعب السوري كله مفجوعا ويستحق تنكيس الأعلام وإعلان الحِداد لمدة عام كامل.. وفي بعض المحافظات لا ترى النسوة إلا باللباس الأسود !.حزنا على فلذات الأكباد والغوالي!.

في آخر تقرير للبنك الدولي في تموز 2017 كشف أن خسارة الاقتصاد السوري تقدر ب 226 مليار دولار، بل أنّ دراسة أجراها مركز "فرونتيير إيكونوميكس" الأسترالي للاستشارات ومؤسسة "ورلد فيجن الخيرية" كشفتْ أن الخسائر الاقتصادية للحرب في سورية تقدر بنحو 689 مليار دولار إذا توقف القتال هذا العام، وأنها قد تصل إلى 1.3 تريليون دولار إذا استمرت الحرب حتى عام 2020!!. والدراسة تأخذ بعين الاعتبار ما ضاع من نمو اقتصادي حتى الآن إضافة إلى ما قد يضيع مستقبلا لأن التعافي سيستغرق عشر سنوات!. وإن استمرت الحرب حتى عام 2020 فسوف يستغرق التعافي 15 سنة!.

وذكرت الدراسة أن هذه الخسائر أكبر بـ 140 مرة من تقديرات الأمم المتحدة والدول المانحة، وأشارت إلى أن نصيب الفرد السوري من الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 45% بسبب الحرب...غير أنها أكدت أن ما خسره اقتصاد سوريا فعليا بسبب الحرب بلغ حتى الآن 275 مليار دولار!.
ويتحدث البنك الدولي عن تقديرات تفيد بأن " 6 من بين كل 10 سوريين يعيشون الآن في فقر مدقع بسبب الحرب". ويلحظ كذلك فقدان نحو 538 ألف وظيفة سنوياً في الفترة الممتدة من العام 2010 حتى العام 2015. ويقول إن ثلاثة من أصل أربعة سوريين في سن العمل (أي ما يقارب تسعة ملايين شخص، لا يعملون أو غير منخرطين في أي شكل من أشكال الدراسة أو التدريب(..

الحديث عن إعادة الإعمار في هذه الظروف وقبل أن تنتهي الحرب نهائيا ويحصل الحل السياسي والاتفاق على دستور جديد للبلاد يقوم على أسس الديمقراطية والعلمانية والتعددية والتداول، إنما هو حديث سمِج وليس أكثر من نكتة!.

الأخطر من كل ذلك، هي الأحقاد التي ملئت صدور السوريين من بعض نتيجة القتل والخطف والدماء ومدى تأثيرها على نسيج المجتمع السوري(العشائري بالأساس) الذي تمزّق لدرجة أن هناك من يرى في الإسرائيلي "رحمة" أكثر من ابن وطنه!.

ورغم كل ذلك هناك من يكادوا يطيرون من الفرح وهم يحدثونك عن الانتصار وهزيمة المؤامرة ونهاية مشاريع التفتيت وزمن التدخُّلْ!.. فهل أروع من هكذا انتصار!!. سبحان الله!!.

سورية أشبه بمريض في غرفة العناية المشددة بانتظار مصيرهِ، وما زالوا يقولون أن صحتها ممتازة وها هو القلب ما زال يدقُّ والنّبضُ ما زال يعمل والتنفس مستمرا، ولكن كل ذلك ضمن غرفة العناية الخاصة!!.

*كانوا مع بداية المظاهرات في 2011 يقولون أنهم سوف يجعلون من سورية نموذجا للديمقراطية يُحتذى به في كل المنطقة، ولكن نراهم اليوم لا ينطقون بكلمة نحو النية لنقل سورية إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي!.. بل ربما يقولون، لماذا علينا أن نمنح الشعب الديمقراطية، فلسنا مضطرون على ذلك اليوم!. عقلية الغرور والتّعالي والفوقية والارتجال غير المسئول، والمغامرة بالوطن ما زالت ذاتها وكأنه لم يحصل في سورية أي شيء!.

يبدو أن أي تغيير في سورية يمس جوهر وطبيعة نظام الحكم هو أمرٌ غير مطروح على الإطلاق.. أي أن عقلية المَزارع واحتكار السُلطة والمناصب في الدولة لشريحة المدعومين والمُقرّبين والمنبطحين والمنافقين ستبقى قائمة!. وسوف يبقى في البلد شريحة أهل الحُكم والأسياد وطبقة العبيد، وسيبقى الفساد والثراء من خلال استغلال السُلطة والنفوذ قائما، وسيبقى الصراع في سورية مستمرا من حقبةٍ لأخرى لأنه لا أحدا يريد معالجة الأسباب الحقيقية لكل المصائب.. لا يتحدثون إلا عن الأعراض والنتائج ويبتعدون كلية عن الحديث عن الأسباب الحقيقية والفعلية... فالبلد مزرعة مملوكة والمالكون وحدهم هم من لهم الحق في تحديد نوع الزراعة في المزرعة، والبقية عبيدا مهمتهم الانصياع وتنفيذ الأوامر وخدمة المالكين!.

*البعض يحدثك عن مصالحات ماضية في طريها كل يوم، ولا أدري هل يخدعون أنفسهم أم فعلا يصدقون أنفسهم!!.

أية مصالحات هذه القائمة على التهجير القسري ومشاعر القهر والتربُّص والحقد الدفين، ودون إحداث أي تغيير في البلد وانتقال سياسي نحو الديمقراطية والتعددية والتداول كمقدمة لخلق دولة القانون والمؤسسات والعدالة!.

هل يعتقد البعض أن الحديث عن تغييرات في مؤسسات ووزارات الدولة وتغيير آلاف الأشخاص والمسئولين، وحتى كل المسئولين في الدولة، سوف يُغيِّر بمثقال ذرة بشيء؟. المسألة ليست بأشخاص (رغم أهمية هذا الأمر) وإنما بنهجِ وطريقةِ وأسلوبِ حُكم بالكامل، وما لم يتغيّر كلية ويتم الانتقال إلى نهج الديمقراطية البرلمانية والتعددية والتداول فلا يوجدُ أملا في أن تتقدم سورية خطوة للأمام حتى لو تمّ تغيير كل العاملين بالدولة من مرتبة مدير وحتى مرتبة وزير.. هكذا تغييرات تبقى كلها شكلية ليس إلا وأشبهُ بتلميع هيكل سيارة ليبدو وكأنه جديدا ولكن يبقى المحرك مهترئا ومُستهلَكا وغير صالح للسير عشرة كيلو مترات دون أن تتوقف السيارة!.
 

2017-08-24
التعليقات