syria.jpg
مساهمات القراء
مقالات
افتتاحية نيويورك تايمز: الإحتجاجات في إيران تُظهر أهمية الإتفاق النووي وليس خطره...ترجمة: محمد نجدة شهيد

كان الوعد الكبير للإتفاق النووي لعام 2015 بالنسبة للإيرانيين العاديين هو الانتعاش الاقتصادي. رفع العقوبات الدولية، وتدفق الاستثمارات الأجنبية ، وتحسين مستوى المعيشة التي تدنت لدرجة كبيرة ، مما يُتيح لإيران أن تزدهر مرة أخرى بعد سنوات حصار طويلة من جانب الولايات المتحدة وشركائها .

ولكن كل ذلك لم يتحقق، أو على الأقل ليس بالطريقة التي توقعها الإيرانيون، مما أدى إلى خلق ظروف ساعدت على إمكانيةإندلاع الإحتجاجات الأخيرة المناهضة للحكومة ، وهي الأخطر منذ عام 2009. فعلى مدى أسبوعين، نزل الآلاف من الإيرانيين في أكثر من 80 مدينة إلى الشوارع للإحتجاج ضد البطالة المرتفعة والتضخم والفساد وضد النهج الحكوميللإنفاقعلى الحروب الخارجية مع إلغاء برامج وأنشطة اجتماعية وتنموية في الداخل.
 


وفي الوقت الذي اندلعت فيه الإحتجاجات ، ألقى الرئيس ترامب باللوم على الإتفاق النووي الذي تم التفاوض عليه خلال إدارة الرئيس أوباما عام 2015 لأنه يتطلب من الولايات المتحدة، ضمن أمور أخرى،أن تعيد ملايين الدولارات إلى الحكومةالإيرانية ، وهي أموال جُمّدت بعد الثورة الإسلامية عام 1979 وأعيدتلاحقاً عندما عمدت إيرانإلى كبح برنامجها النووي.

ويبدو أن التفسير الأكثر موضوعية للإحتجاجات المناهضة للحكومة هو أنالإتفاق النووي فتح عيون الإيرانيين على رفع سقفالأمل بحياة أفضل، وجعلهم أقل تسامحاًمع حكومتهم عندما قصرت في القيام بواجباتها .

ولكن كان لهذا الإتفاق في المقابلأثر مفيد. فقد نما الإقتصاد بنسبة 7 في المائة في عام 2016، وكان من المتوقع أن ينمو بنفس النسبة في عام 2017، على عكس الانكماش بنسبة 9 في المائة الذي حصل في العامين السابقين لآذار 2014 عندما بدأ تطبيق تخفيف جزئيللعقوبات . ووصلإنتاج إيران الحاليمن النفط تقريباًإلى نفس مستويات ما قبل فرض العقوبات ، بالإضافة إلى ما تقوم به الشركات الأجنبية من إستثمارات جديدة فى مجال الطاقة، كما تلقت شركة بوينغ طلبات لشراءطائرات جديدة بالمئاتلتحل محل الطائرات القديمة .

ومع ذلك فإنمعدلات النمو والاستثمار لا تلبيبشكل كافٍإحتياجات السكان الذين هم في الغالب أصغر عمراًمن أن يتذكروا مرحلة إنتصار الثورة الإسلامية.

وفي حين أن إنخفاض أسعار النفط يُشكل عاملاً كبيراً في فشل إيران في الانتعاش الإقتصادي، فإن عوامل أُخرىعديدة لا تخفى على أحد جعلت الشركات الأجنبية مترددة في القيام بأعمال تجارية هناك. وتشكل قوات الحرس الثوري الإسلاميالمتشدد ومختلف المؤسسات الدينيةالتي تسيطر على جزء كبير من الاقتصاد عقبات رئيسية أمام محاولات الإصلاح في البلاد.

والآن وبعد مقتل نحو 22 شخصاً واعتقال ما لا يقل عن ألف شخص آخر، تراجعت حدةالإحتجاجاتبدون وجودأي إشارة واضحة في ما إذا سيكون لها تأثير دائم. وهذه الإحتجاجات ليست بالتاكيد نهاية الصراع بين المتشددينالمصممين على التمسك بتشريعات إسلامية جامدة تملي على الناس كيف ينبغي أن يعيشوا، وبين المعتدلينأمثال الرئيسروحاني الذين يدعون إلى التحرر الإجتماعي والتواصل مع الغرب،وباتوا يشكلون اليوم ــــــــ على إفتراض أن الإحتجاجات ستستمرـــــــــ الطبقة العاملة الغاضبة.

و كان السيد روحاني قددافع في يوم الإثنين الماضي عن المتظاهرين قائلاً بأنهم يحتجون ليس فقط على ضعف الاقتصاد ولكن أيضاًضد فساد واسع النطاق وسياسات صارمة للحكومة الدينية تتعلق بالسلوك والحريات الشخصية. وقال في تصريحات نقلتها وكالة أنباء "ايسنا" شبه الرسمية "لا يُمكن لأحد أن يفرض نمط حياته على أجيال المستقبل ".

كل هذا يكشف عن صراع حقيقي حول هويةإيرانالأمرالذي يتطلب في الحقيقة نهجاً أكثر تطوراً من نهج الرئيس ترامب الحاليحول إستغلال الإحتجاجات لتبرير التنصل من الإتفاق النوويمما سيؤدي إلىإطلاق يد إيران لاستئناف الأنشطة النووية ويُمهد لفرض عقوبات جديدة عليها من شأنها أن تحول الغضب الإيراني من طهران إلى واشنطن . بعض المسؤولين والمحللين الأمريكيين يريدون حتى المضي قدماً إلى أبعد من ذلك والإطاحة بحكومة إيران.

ولكن مستقبل إيران يُحدده الإيرانيون وحدهم. ويتعين على الولايات المتحدة أن تكون مدركةلما لا تعرفه ، وتتوخى الحذر بشأن التدخل المباشر في سياسات إيران خاصة وأن لديها تاريخ مضطرب مع هذا البلد، كالإطاحة بمحمد مصدق رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً في البلاد في عام 1953. وما الحروب في العراق وأفغانستان وسورية وفيتنامإلا تذكير مرعب لفشل الولايات المتحدة في محاولتها إحداث تغييرات سياسيةوإجتماعية في دول أُخرى.

ويبقى السؤال ليس في ما إذا كان يتعين على الولايات المتحدة مساعدة الإيرانيين الذين يفضلون التغيير السياسي السلمي في بلادهم ، بل في كيفية مساعدتهم لتحقيق ذلك . ويجب بطبيعة الحال على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيينالدفاع عن حق الإيرانيين في السعي نحو تحقيق تغيير سياسي سلمي في بلادهم ، وإدانة اعتقال المتظاهرين السلميين وممارسةالعنف ضدهم ، وحث شركات الإنترنت على أن تجعل من الصعب على طهران حجب مواقع التواصلالإجتماعي مثل تيليغرام التي تعتبر هامة جداًللمحتجين للتواصل وللتنظيم . وإذا كان السيد ترامب يهتم حقاً بالشعب الإيراني ،كما يدعي، فإن عليه أيضاً أن يرفعالقيود المفروضة على سفر الإيرانيين للولايات المتحدة.

ولكن قبل كل هذا وذاك يجب على الرئيس ترامبأن يُدركجيداً أن هذه التحركات الحمقاء التي تقوم بها إدارته قد تعيق إجراء الإصلاحات في إيرانوالتي يُمكن أن تعيدها بشكل كامل إلى صفوف المجتمع الدوليمن جديد . نيويورك تايمز . الأربعاء 10-1-2018

الرابط : https://www.nytimes.com/2018/01/09/opinion/iran-unrest-nuclear-deal.html
 

2018-01-20
التعليقات