syria.jpg
مساهمات القراء
قصص قصيرة
تحت سقف المقصف.. جسد وألف ذاكرة! ... بقلم : علي المسلخ

ضحكات منمقة تملأ المكان وأعين متشابهه أدت بها الرغبة إلى الزيف والسفر البعيد في عالم اللاعودة, جسد متحرك وأحاسيس محنطة, سوق مرخصة ورخيصة يباع فيها كل شيء تحت شعارات تخبئ الشهوة والوباء الذكري الخاضع لأنثى نلوك ربيعها نهاراً وننهمر عليها شبقاً ملعوناً في الليل.


إلى أين تسوقنا ذكورتنا الجامحة؟

 ما هو حد الإشباع؟

 ما هي الأسباب المباشرة وغير المباشرة؟

 

أنثى وجسدٌ فاغرٌ فاه أمام رجل تدلى لسانه من فمه وتدلت نقوده من جيبه، هل هي الأنثى ذاتها التي تحتضن طفلها بكل أمومتها وصدق الشعور وتقف أمام حبيبها بحنين يختزل الكون؟

هل هي الطفلة ذاتها التي زرعناها وردة لأيامنا القادمة، والآن نحرث أنوثتها في الظلام؟

 

هل وجدت المادة الرخيصة لوجود رخيص سيبتاعها؟ أم وجد الرخيص المكتنز فقام بوضع تسعيرته لكل شيء حتى الإنسانية التي قد تراها في الحروب الدامية، ولكن لن تراها في مكان كهذا؟

قال مظفر النواب: (أموت بنهد يحكم أكثر من كسرى في الليل).

 

تبدأ طقوس السهرة بعد توافد الزبن الكرام, جولة (للفنانات) يقمن خلالها بمصافحة الجالسين على الطاولات مع كلمات الترحيب الدافئة (جداً)، وبعد ذلك يبدأ العاملون في المقصف بتدليل الزبون, أي ما إن تقوم بمد يدك على أي شيء على الطاولة حتى ترى أحدهم وعلى جناح السرعة أتى به إليك. اطلبْ وتمنَّ أنتَ ضيفنا! ومن عادات العرب إكرام الضيف, تربعْ على عرشك فأنتَ الملك ولكَ ما شئت من المحظيات والخدم والحشم، فقط مُدّ يدك إلى جيبك وابدأ (بالرش) ترى بعدها العجب العجاب, أنتَ الملك الوهمي ورعيتك من أكلة جيوب البشر, تمدمد واسترخِ كيف شئت، فهي بضع ساعات وينتهي كل شيء, الابتسامات, الانحناءات, وحتى الاحترام, فلستَ بنظرهم سوى كيسٍ ممتلئ بالنقود التي لنْ يوفروا جهداً للحصول عليها, وهم بنظرك قوادون وعاهرات ولنْ توفر مالاً لاستخدامهم حسب رغبتكَ.

 

شاءت مصادفة ما أنْ أدخلَ أحد هذه المقاصف العائمة في بلدنا كجيف البحر, بدت الأسئلة غريبة في هذا المكان, فهو ليسَ مكاناً للسؤال ولا للجواب بل هو مكان للاستجابة فقط, استجابة للجوع السرمدي للجنس والمال.

سألتُ إحدى الراقصات (الفنانات) التي أطلقت على نفسها اسم (هيفا)، لماذا اخترتِ هذه المهنة؟

أجابتني بكل بساطة: شغلي راس مالو منو وفيه (مشيرةً إلى جسدها) وكسّيب غير شكل.

ولمْ تكن زميلتها (نانسي) أكثر جديةً بإجابتها عندما سألتها عن أهلها، وهل هي عازبة أمْ متزوجة؟

 

فأجابتني بكل بساطة: ليسَ لي أهل، فأنا مقطوعة من شجرة، وأنا متزوجة وزوجي ينتظرني كل صباح لأحضر له النقود، وأحياناً يوجد معي هنا في مكان عملي.

 

*كيف يقبل الزوج أنْ تتصرف زوجته بهذا الشكل؟

**منذ البداية يعرف عملي, تزوجتهُ ليؤمّن لي الحماية ساعةَ أحتاجها، وتزوجني لأعيله فهو (عاطل)عن العمل.. - وتركتْني وانصرفت إلى طاولة أخرى تحظى منها بالمال لا بالأسئلة..

 

 اقتربَ مني أحد العمال (الحويسة والذين أغلبهم من عمر 14-20) لينظف الطاولة، فانتهزتُ الفرصة وتحدثنا قليلاً:

* أليست متابعة الدراسة أفضل من العمل هنا؟

**أنا تركت المدرسة من زمان والشغل مو عيب.

* وبالنسبة لأهلك ألا يمانعون عملك هنا؟

 

**لا ما في أي مشكلة، المهم ما أقعد بالبيت بلا شغل.

* طيب وبس تكبر شو بدك تشتغل؟

** المعلم وعدنا إذا كنا كويسين بالشغل يرفعلنا الراتب وهادا أهم شي.

(تصوروا حتى أحلامهُ بعد أنْ يكبر لمْ تتجاوز هذا المكان)

 

بعد سؤالي الأخير لهُ ناداهُ أحدهم فهرعَ إليهِ ليلبّي لهُ طلباً ما، وبقيتُ على طاولتي أسأل نفسي: إلى متى ستظل هذه الأماكن التي هي في أغلب الأحيان مرتع لأرباب السوابق واللصوص؟ وكي لا أظلم فليسَ كل روادها منهم، ولكن الكثيرين ممن يجنون المال بطرق غير مشروعة يذهبون إلى المقاصف لجني المتعة بهذا المال غير الشرعي.

يعودُ السؤال ذاته إلى متى؟

2011-12-21
التعليقات