syria.jpg
مساهمات القراء
قصص قصيرة
تجربتي الخاصة جداً كإنسان طائر...بقلم : خير الدين مفتي

لا أعرف كيف بدأ ذلك ولم معي أنا الذي لم أكن أؤمن يوماً بالمعجزات ( التي انتهت بوفاة الأنبياء واندثار الصالحين ) .. لكن ما حصل معي قد حصل بالحقيقة لا بالخيال .. لا بالتهيؤات .. ولا بإصابتي بلوثة في العقل .


 كل شيء في ذلك الصباح بدأ كأي يوم صيد عادي ... حتى حط ذلك الطائر على كتفي الأيمن ( مع أن بندقية الصيد كانت معلقة على كتفي الأيسر ). بدا ذلك لي ما يشبه المعجزة أو بدايتها وإن فكرت أن هذا العصغور لا بد أن يكون أبلهاً ليحط على كتف .... صياد .

دون أن أجفل ( الصياد الحقيقي لا يجفل في أصعب الظروف )  .. أدرت رأسي إليه وبزاوية عينيَّ اللتين احولَّتا (جربوا أن تنظروا إلى كتفكم وستحولُّون مثلي) .. لم يكن خائفاً بل راح يرمقني بنظرات (ظننتها بلهاء أول الأمر).. نظر إلى السماء بترقب  .. نظرت إلى السماء أيضاً علني أجد شيئاً أفهم منه ما حصل .. ظل يرقب السماء بضع ثوان ... ثم طار .

 

بعض الناس يربون الطيور لتقف على أيديهم أو أكتافهم ... قلت : لعله من تلك الطيور التي ألفت البشر حتى ظنت الصيادين منهم .. أصدقاء ، لكن بعدي عن أقرب قرية ونوع هذا الطير الذي يموت إن وقع بالأسر أبعد هذه الفكرة ( في الواقع اصطاد والدي واحداً حياً من نفس النوع عندما كنت صغيراً ووضعه في القفص ... أذكر أنه لم يقبل أي نوع من الطعام  وحتى الماء حتى مات رغم محاولاتي أن أطعمه بالقوة بل حتى أنني أمسكته ووضعت منقاره بالماء لعدة دقائق عله يشرب ، ولم يفعل . قال أبي : كان من الأفضل أن نطلقه ليعيش . أذكر أني دفنته دفناً لائقاً حتى أني وضعت بعض الأزهار على قبره ... وإن كنت في ذلك الوقت أظن أنه من أنواع الطيور الغبية حتى ينتحر بهذه الطريقة ) .

 

اطلاعي على الكثير من الأشياء العلمية والتاريخية والأسطورية والسخافية (لا أدري إذا كان اشتقاق السخافية جائز لغوياً ) جعل عقلي خلطة من التفكير وبلا فائدة . فكرت بلون سترة الصيد المموهة كالأدغال قلت : لعله ظن أني شجرة ... وضحكت . فكرت بأنه ربما كان يعاني من عجز مؤقت عن الطيران ... لكنه بدا لي معافاً تماماً . حتى أنني تذكرت أسطورة صينية عن أن الطيور تقمص لأرواح أطفال ... قلت في نفسي : لكن الأطفال تخاف من الغرباء .. على الأقل هكذا ربانا أهلنا ولا أظن أن الأهل في الصين يربون أولادهم على غير ذلك . آخر ما فكرت فيه أنني كنت من الغباء بحيث أنظر إلى ذلك الطير السمين يفلت مني دون أن أعاجله بطلقة من بندقيتي .... هذا آخر ما فكرت فيه وأنا عائد مساءاً من رحلة الصيد خالي اليدين من الطرائد رغم أن المعتاد عندي في تلك الرحلات وفي مواسم الصيد تلك لم يكن ليقل عن مائة طير وأرنبين أو ثلاثة وفي بعض الأحيان غزال سمين أو اثنان. كنت ألعن حظي بكل اللغات السامية ( والمتدنية سمواً ) لكن شيئاً في نفسي كان يشعرني بالسعادة حتى بدأت بالغناء بأعلى صوتي وهذا ما لا أفعله إلا بالغابة ( بعد صيد وفير ) وأحياناً بالحمام ( عندما لا تكون زوجتي و أطفالي بالمنزل ) . شيء ما غمرني بالسعادة حتى أحسست أنني على وشك أن أطير من الفرح ... وهكذا وبدون أي تفكير بالأمر ...... طرت .

 

طرت .. نعم طرت ... لا من الفرح بل طرت حقيقة .. لا أذكر الارتفاع الذي طرت إليه في البداية لكنه ... لأسترجع ذاكرتي ..... يعني ... حوالي المترين أو الثلاثة عن الأرض .. لكن عندما تخلصت من البندقية والرصاص الذي أحسست أنه كان يثقلني .. طرت فوق الغابة حتى وصلت إلى منطقة ظننتها محجوبة بالضباب قبل أن أتبين أنني في الحقيقة وصلت إلى الغيوم . أقدر الارتفاع الآن و بحسب معلوماتي العلمية عن ارتفاع الغيوم بنحو ألف وخمسمائة إلى ألفي متر .

 

أقسم لكم أنني لست مجنوناً ، موهوماً ، أو مصاباً بانفصام الشخصية ... وفي الحقيقة أن أول ما فعلته كان أن راجعت طبيباً للأمراض العقلية ليؤكد لي أنني سليم عقلياً ومدرك للحقيقة والواقع ، وإن كان لم يصدق قصتي إلا حين طرت في عيادته حتى السقف قبل أن يبسمل ويحوقل ... ثم يغمى عليه . قبل أن أغادر رجوته أن يبقى الأمر سراً بيننا فطمأنني أنه إذا ما أذاع مثل ذلك السر فسيظن زبائنه أنه هو المجنون وسيفقد عمله .. فاطمأنيت .

 

من يعتقد أنني أكذب بشأن قدرتي على الطيران يجب أن يفكر ألف مرة قبل أن يرمي هذا الاتهام ... تظنون طيران البشر ميزة ؟  معجزة أو نعمة من السماء ؟ تعتقدون أن قصص سوبرمان الذي يطير في كل ناحية لينقذ الناس ويقضي على الأشرار حقيقية ؟ وأن طيران البشر بطولة ؟  ... فكروا ألف مرة قبل أن تعتقدوا أن الأمر يستحق التصفيق لرجل يطير أو جربوا أن تطيروا مرة وأنا صرت أعتقد أن كل واحد منكم يستطيع الطيران لكنكم لا تدركون .... نحن بشر ... بشر خلقنا لنمشي على الأرض وإذا وقعت أرجلنا في الفراغ نموت .... قبل كل شيء .... من الفزع .

 

( لحظة ، فقد نسيت في بداية القصة أن أبدأ بالإهداء )

إهداء ....

إلى طيور وأرانب وغزلان الغابة ... التي تعيش ... بحرية

 

لم أخبر أمي ، أصدقائي ، خفت على أطفالي من أن يقتلهم الخوف ... زوجتي التي كانت الوحيدة التي علمت بالأمر ( باستثناء طبيب الأمراض العقلية ) كان عليَّ أن أمهد الأمر لها لأسبوعين قبل أن أخبرها وأقوم بتجربة صغيرة من الطيران أمامها ... طلبت منها أن لا تخاف وأن تمسك أعصابها لكنها كانت تضحك عندما وقفت أمامها في حجرة الجلوس وقلت لها تهيأي .. سوف أطير لبضعة أمتار فقط لأثبت لك . ورغم تنبيهي لها بأن تمسك أعصابها تحول الضحك عندها إلى جمود عندما ارتفعت أول سنتمترين عن الأرض ... جحظت عيناها ... وحصل معها ما حصل مع الطبيب . عندما استفاقت وبعدما تمالكت أعصابها بجدية هذه المرة طلبت مني أن أطير مجدداً لكي تكشف الخدعة التي لا بد أنني قمت بها ... عندما لم تكشف أي خدعة ... كان علي أن أستخدم الماء البارد و كل العطور الرجالية والنسائية في المنزل لكي تفيق من إغمائتها ... ولم ينفع في النهاية إلا بصلة كبيرة بقينا أنا وهي نذرف الدموع بسببها نصف ساعة بعد ذلك .

 

_ منذ أن قابلتك .. عرفت أنك تتمتع بموهبة ... لكن .. لكن  .

 

لم تزد زوجتي شيئاً على ذلك و رغم أنها لم تعد نهائياً لذكر ذلك اليوم إلا أنني كنت أحس أنها تبتعد عني وكأنني مسخ  .. ورغم أني ولكي أعيد المياه إلى مجاريها كنت أتمنى أن أحملها وأطير كما كتبت لها في قصيدة أيام الخطبة أو كما يفعل سوبرمان إلا أن طيران البشر كما عرفت بالتجربة غير ممكن بوجود ثقل يزيد عن عشرة كيلوغرامات .

 

عندما استشرت الحاج عبد القادر وهو أكثر الناس صلاحاً في حارتنا عن الأمر ... وطبعاً كل ما ذكرته أنني سمعت بالأخبار عن رجل في الصين يستطيع الطيران .. لم يستطع في الواقع أن يجيبني إجابة واحدة .

 

- هل هو مسلم ؟

- لا أدري والله يا حاج .

- إذا كان مؤمناً ولنا بالفعل أخوة في الصين .. لا إله إلا الله ... تخيل حتى في الصين بلد الكفار هناك مؤمنون ... لكنهم يقاسون الكثير ... رأيت منهم بعض الإخوة في الحج .... ما شاء الله ... هم ... أين كنا ؟

- بالرجل الذي يطير في الصين يا حاج .

- نعم نعم ... هي كرامة من الكرامات كي يهدي الكفرة هناك ... تعلم يقال أنه في بلاد ....

- تذكرت يا حاج ... هو بوذي على ما أعتقد .

- آآآآآ .... كافر ...  إذا كان كذلك فهو سحر ... سحر لا شك بذلك وهو بلا ريب له جن يكلمه ويساعده على الطيران كي يُضِلَّ الناس .

أبونا حنانيا خوري كنيسة الحارة المجاورة أعطاني نفس الرأي تقريباً .. مع اختلاف قليل .. قال :

- يا ولدي ... هذا إمَّا قديس أو أن شيطاناً قد تلبسه ( ورسم إشارة الصليب على صدره مستعيذاً من الشياطين ) .

صديقي الدكتور حسان أستاذ الفيزياء في الجامعة كان له رأي آخر .

- مستحيل .

- أقول لك إن هذا قد حدث فعلاً ورأيته ... والله لا أذكر بأي محطة .

- يجب أن يكون في هذه الحالة أخف من جزيئات الهواء لكي يطير ... هذا مستحيل .

- لكنه طار .

- إذا كان هناك إعصار أو تيار هوائي قوي .

- لم يكن .

- إذاً لا يطير .

- حبيبي ... إذاً لم يبق إلا أن تكون كرامة أو سحر واستعانة بالجن .

 

كنت بحاجة لأن أقوم بتجربة ... انتظرت حتى ذهبت زوجتي مع الأطفال ... طرت نصف متر عن الأرض .. لم أرتفع كثيراً ... بسملت وحوقلت ( يعني ربما هم الجن .. قلت في نفسي ) ... لم يحدث شيء .... أما الكرامات فقد استبعدتها من تفكيري ( لأنني بصراحة كنت ذلك اليوم قد أخذت قليلاً من الرشاوى من المراجعين في وظيفتي الحكومية ) ... يعني لا تؤاخذوني فالعيد قريب والأولاد بحاجة إلى ثياب العيد ... والحلويات ... و .... ما علينا من هذا الحديث .

 

بقيت شهرين بعدها لا أدري ما أفعل ... فقط كل صباح وعندما أكون في الحمام أحلق ذقني .. أطير بضع سنتمترات وأهبط .. فقط في الحمام وفقط عند حلاقة الذقن . حتى عندما كنت أحتاج لدق مسمار في الحائط على مكان مرتقع أو عندما أغير مصباحاً محروقاً كنت أستخدم السُّلَّم ولم أكن أجرؤ أن أطير فيراني أي أحد .

 

المطر الصباحي في يوم ما .. والشمس التي سطعت بعد المطر .. حركاني ..  أحسست بشيء يدفعني للغابة .. لا أدري إن كان أجمل يوم في حياتي .. إلا أني عندما أذكر ذلك اليوم أحس بالكآبة ... لن تفهموا ذلك بكل الأحوال .

ما أن دخلت الغابة حتى طرت ... حلقت كسوبرمان .. كجني .. كنت بحاجة لأن ألمس الغيوم ولمستها ... كان شيئاً ... كالحرية القصوى ... حلقت خلف طائرة وحين خفت أن يأخذني الحال فأرى نفسي في بلد آخر ... عدت .

 

فوق الغابة استطعت أن أرى عشرات الغزلان ... مئات الأرانب ... وربما ألوف الطيور .. ذلك الصياد الذي لطالما تلبسني .. اختفى .. لم أرى الغزلان والأرانب والطيور على أنها طرائد .... كانت ... لا أدري ما أصفها ... كانت ... مخلوقات ... حرة . هذه الحرية فجأة ... أجفلتني .. ماذا لو أن هذه القدرة على الطيران اختفت في لحظة .. أن تقع من علو ألف وخمسمائة متر .. ليس مزحة ... ماذا لو التقطتني رادارات الجيش ... ماذا سيفعلون حينها ... لم يكن لدي مقياس أعرف به مدى سرعتي بالطيران ... لكن أن تغامر مع صاروخ أرض – جو ... ليس مزحة .... قلت لكم أن معرفتي بالكثير من الأشياء العلمية والتاريخية والسخافية تجعل عقلي يختلط كحاوية زبالة .

 

نحن ... نحن بشر .. أن تعلق أرجلنا بالفراغ يعني أننا نهوي ... أو أننا نتدلى من على حبل مشنقة . ماذا لو عرف الناس بالأمر .. الحاج عبد القادر سيقول للناس : - لم أره يصلي معنا صلاة الفجر ... غالباً هو ساحر ويستعين بالكفرة من الجن . حسان سيخاطب الدولة لكي يجعلني مادة لاختباراته .. طبعاً .. الدكتور حسان ( والذي على ما يشاع كان قد اشترى شهادة الدكتوراه من جامعة الثورة بجمهورية بيغلايينا ) سيراها فرصة ربما للحصول على جائزة نوبل ... جيوش الدنيا كلها ستراها فرصة للحصول على جنود خارقين .. وربما انتهت الأمور بتصفيتي من استخباراتها كي لا يُعرف السر .

 

لأول مرة خفت من رجليَّ المعلقتان بالفراغ ... ورحت أهبط ... رغم تلك الحرية التي كانت تدفعني لفوق ... كان الفزع يهبط بي ... متراً ... متراً ... حتى هبطت على الأرض .... لآخر مرة.

 

كان عليَّ بعد ذلك اليوم أن أجد الحل ... صنعت لنفسي حزاماً من معدن الرصاص وزنه إثنا عشر كيلوغراماً .. لم أخلعه يوماً ولا ساعة ... لا عندما أحلق ذقني ولا عندما أستحم حتى .. كان ذلك منذ سنة وسبعة أشهر وعشرة أيام بالتحديد ... لم أنس أي يوم لأنه منذ ذلك التاريخ بدأت كوابيس الليل ... كل يوم ... كل يوم ...  لا رقيا الحاج عبد القادر نفعت ولا علاج الطبيب النفسي ... لا شيء ... لا شيء ... وبصراحة ... تراودني أحياناً فكرة الانتحار والخلاص من هذا العذاب ... لكنني أخاف من الموت وأن ... أطير إلى السماء مرة أخرى ... هذا الكابوس اليومي الذي لا يتوقف ... نفس الكابوس وبنفس الأحداث ... كل ليلة أرى نفسي ... حراً أطير فوق غابة ... أفيق مرعوباً .. أتلمس الحزام الرصاصي ... لأعاود النوم .

2012-11-11
التعليقات
محمد حمصي
2012-11-11 15:22:17
جميل ...
البداية موفقة تشد القارئ وأظن أنه كان من الافضل أن تشتغل على الحدث- الرمز الاول أكثر وهو وقوف الطائر... ليأخذ القارئ بسلاسة أكبرالى تجربة الطيران . أي ان تحبك العلاقة بين الحدثين بشكل افضل . في القصة تفاصيل ممتعة , لكني اعتقد انها كتبت على عجل الى حد ما , مزيد من التروي والتدقيق كان سيخرجها بكل تاكيد بحلة أفضل تحياتي لك .

سوريا