news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
قصص قصيرة
كلمات متقاطعة ...بقلم : اسامة احمد نزار صالح

كان يقف أمام النافذة يتأمل هطول المطر فهذه عادته حين يهطل المطر للمرة الأولى مع بداية فصل الشتاء في مدينته التي تتمدد على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
الأجواء الماطرة في مدينته مختلفة يحب أن يراقبها من النافذة المطلة على الشارع العريض ينتظر مشاهدة الطوفان العجيب في هذا الشارع الذي يتكرر سنة بعد أخرى


الغريب أن هذا الطوفان المتكرر لا يحدث بسبب غزارة الأمطار وارتفاع معدلاتها وإنما لعطل في شبكة الصرف الصحي رغم أعمال الصيانة الدورية والمستمرة طيلة أشهر الصيف،لافتات أعمال الصيانة والحفر التي تخلفها تقطع الطريق إلى مدخل البناء الذي يقطنه،اللافتات يحبها بل يستظرف جملها أما الحفر فهي تجعله يمارس نوع من الرياضة لا تساعده صحته على القيام بها ويحملها المسؤولية عن اهتراء أحذيته التي اشتراها من أوروبا قبل استقراره النهائي في الوطن.


يبدأ كعادته في مثل هذا الجو الماطر بالتفكير بخياراته المتاحة:
أيذهب إلى عيادته (التي لا يستقبل المرضى فيها إلا بناء على موعد مسبق بعد وعكته الصحية الأخيرة) أو يبقى في المنزل ليحتسي فنجانا من الكابتشينو يعده بنفسه،فهو مازال يسكن وحيدا بعد انفصاله عن زوجته الأوروبية وعودتها إلى بلادها.
هو شخصيا لا يعرف سبب فشل زواجه فيقول دائما بأنها (زوجته) لم تكن قادرة على الإنجاب في بلاد مهمة المرأة الرئيسية الحمل والولادة ما أصابها باضطرابات نفسية عادت على أثرها غير مرغمة إلى أوروبا.
كالعادة يفضل الخيار الثالث احتساء فنجان الكابتشينو في المقهى


بعد توقف المطر وقبل أن يغادر مدخل البناء إلى سيارته التي تبعد خطوات قليلة يلقي بصره على أبو محمود (صاحب البسطة على الرصيف)
أبو محمود هذا رجل في الأربعين، ضخم طويل القامة، اسمر قاتم الوجه، عريض المنكبين ذو شارب اسود ورقبة غليظة (مرحبا حكيم كيف حالكم) يصيح أبو محمود راسما ابتسامة عريضة على وجهه بينما يهز الحكيم برأسه وهو يفتح باب سيارته.


لا احد يعرف تماما تاريخ الوجود الأول لابو محمود هذا هنا ودائما يخطر ببال الحكيم هذا السؤال وتراوده كثير من الاحتمالات:
اهو حين عاد من أوروبا وزوجته الانكليزية واستقر في هذا البناء!
أو حين ترك مرغما ودون إرادة منه عمله الوظيفي وبدأت عملية التنفس الطبيعي عنده وانهارت السدود أمامه ليتفرغ لكتابة زويا أدبية وعلمية طبية بشكل شبه دوري!
أو حين حصلت تلك الواقعة في حياته واستقر في صندوقه البريدي بالجملة مجموعة من الرسائل من أصحاب ورؤساء تحرير المجلات والصحف التي تستكتبه يعتذرون فيها عن نشر كتاباته الطبية والأدبية بسبب توجيهات مضطرين لتنفيذها!


جلس خلف المقود وأدار محرك السيارة أعادها إلى الوراء عدة خطوات ثم انطلق إلى وسط المدينة حيث المقهى الذي يرتاده.
لا مكان لركن السيارة في وسط المدينة،الازدحام خانق،واستيعاب الشارع للسيارات يفوق تصميمه رغم إبداعات المسؤولين في إدارة المرور المتكررة بتغير اتجاهات السير وأماكن وقوف السيارات،والتواجد الكثيف لشرطة المرور.
دائما يتجاوز هذه المعضلة فيركن سيارته في كراج المستشفى الحكومي المقابل للمقهى مستعملا ميزة (شارة الطبيب) على الزجاج الأمامي لسيارته التي دفع ربع قرن من حياته في دراستها وتدريسها وممارستها.


يمشي بهدوء بعد أن يغادر سيارته باتجاه المقهى،يقطع الشارع بحذر متحاشيا الحفر الكثيرة المغمورة بماء المطر،يصل باب المقهى فيدخل ببرود ودون أن يتلفت حوله أو يعير انتباهه لأحد،يجلس على طاولته المفضلة البعيدة عن الشلة اليومية (أصحاب الأصوات العالية والدخان الكثيف).
بعد دقائق يصل إليه النادل مع فنجان الكابتشينو وكاس الماء وكلماته: (بتأمر بشي تاني حكيم)
شكرا يقول الحكيم ويناوله الحساب مباشرة.


بعد أول رشفة من فنجانه يستل قلمه ومجموعة من الأوراق من جيب بزته ويبدأ ممارسة هوايته الجديدة،بعد تلك الواقعة انتقل من هواية الكتابة والتأليف إلى هواية أخرى هواية لا تسبب الإزعاج لأحد،نوع أخر من الإبداع،إعداد شبكة الكلمات المتقاطعة لإحدى الصحف الكلمات المتقاطعة إذا كانت لا تنفع فهي لا تضر وإعدادها يتطلب براعة وحنكة بل هو أيضا بقناعته يساعد أناس يملكون الكثير من الوقت والقليل من الحيل لهدره وقتله.


ينهي الشبكة الجديدة مع أخر رشفة من فنجانه ليلملم أوراقه ويهم بمغادرة المقهى بالبرود ذاته ودونما أن يحرك بصره على الجالسين.


يغادر بسيارته كراج المستشفى ويتجه إلى منزله سالكا الطريق السريع ومتجاوزا الشارات الضوئية الأربعة ليصل إلى الشارع العريض،يجد بسهولة مكانا لركن سيارته قريبا من مدخل البناء الذي يقطنه فأبو محمود تعود أن يحجز له هذا المكان والازدحام خف مع انتهاء دوام الموظفين في المباني الحكومية هنا في الشارع العريض،مع نزوله من السيارة يكون أبو محمود قد لملم بضاعته وغادر المكان.
يصعد الحكيم إلى شقته التي لا يغادرها إلا في اليوم التالي


هكذا تمضي أيام الحكيم بالرتابة نفسها يناوب خروجه بين المقهى وعيادته ليعد شبكة الكلمات المتقاطعة، لا شيء أو حدث مهم إلا مقالة أو قصة قصيرة ينشرها هنا أو هناك باسم مستعار (حكيم الزمان).
اليوم الحكيم لم يغادر منزله سيارته، مازالت مركونة أمام مدخل البناء
أبو محمود لم يفرش بضاعته،حتى انه لم يأتي أصلا
المطر ينهمر،لكن بقوة ودونما انقطاع
الصحيفة لم تحتجب صدرت،لكن بدون كلمات متقاطعة.   
 

2013-06-10
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)