news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
بالرغم من الأزمات العربية: فلسطين حاضرة في ذاكرة ووجدان السوريين...بقلم : الدكتور خيام محمد الزعبي

 تعتبر القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى، كونها قضية حق وعدالة، وقضية إنسانية آمن بها كل العالم، وقضية تحرير بلد من الظلم والفساد والاستعمار، وقد حظيت بدعم لم يتحقق لأية قضية أخرى، وخلال متابعة تداعيات الربيع العربي، نرى إنه أثر سلبياً على القضية الفلسطينية ولم تحقق الأمنيات والأحلام التي داعبت وجدان الأمة العربية في تحرير الأرض التي اغتصبها الكيان الصهيوني.


 كون الأنظمة العربية الجديدة وشعوبها مشغولة اليوم بقضاياها الداخلية أكثر من انشغالها بالمستقبل الفلسطيني، ربما تكون سورية والقضية الفلسطينية من أكثر الجوانب التي غابت أو غيبت عن الاعلام تحت مسميات وذرائع تتكون تبعاً للظروف والمعطيات، لأن سورية والقضية ليست مجرد تحالف بين قوى أو موقف وإنما حكاية ألفها السوريون على امتداد عقود من الزمن حتى صارت جزء من وجدانهم وضميرهم الجمعي وتحولت في الكثير من أبجدياتهم ومسلمات أحاديثهم الى لغة يجمعون عليها بمختلف رؤاهم واتجاهاتهم..

 

في ظل التحولات التي تشهدها الساحة العربية، تأتي القضية الفلسطينية بمثابة الحاضرة الغائبة عن الأجندة السياسية لمعظم تلك الدول التي اهتمت بالأمور الداخلية ونهضة شعوبها التي تظل تطالب بإقرار الحرية والعدالة الاجتماعية وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة.

ينشغل العرب اليوم في هموم كثيرة، بعضها ذو عناوين سياسية ترتبط بتطورات الشرق الأوسط في ظل ما يسمى بالربيع العربي، والبعض الآخر يدخل في دائرة الهموم الاقتصادية والاجتماعية.

 

هي مرحلة مختلفة تماماً عما كان عليه واقع العرب حينما توحدت القضايا والساحات والصراعات، إذ لم تعرف تلك المرحلة التمييز على أساس الانتماءات الوطنية أو الطائفية أو الأثنية، بل كان هناك إدراك عربي عام للرابط المهم بين الهم الوطني وبين القضية الفلسطينية، بين مواجهة الاستعمار الأوروبي للبلاد، وبين مواجهة الكيان الصهيوني واحتلاله للأرض الفلسطينية، فالقضية الوطنية كانت قضية قومية مشتركة، فكان الأمير عبد القادر الجزائري يخوض معركته لصد الاستعمار الفرنسي عن وطنه بدعم عربي واسع وكانت مصر جمال عبد الناصر في مقدمة تلك الدول، وقد أعطت ثورة شعب الجزائر نموذج ممتاز للثورة الكاملة، فهي ليست ثورة المليون شهيد من أجل الاستقلال الوطني وحده، وإنما هي ثورة حرية العمل الاجتماعي، ثورة تحرير الوطن تتلاحم مع ثورة تحرير الانسان التي تجد كفاحها في كفاح كل وطن، وتجد أمانيها مع أماني كل إنسان.

 

بالرغم من كل المصاعب التي مر بها الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية إلا أن الاهتمام بالقضية مر بفترات ازدهار حيث كانت قضية فلسطين هي محور اهتمام الشعوب والقادة العرب، إلا إن هذا الاهتمام أخذ بالتراجع وتحديداً بعد حرب الخليج الثانية والثالثة، لكن ما نتج عن ثورات الربيع العربي من انشغال الشعوب والأنظمة بواقعها الداخلي وتداعيات وآثار الدوافع الجديدة والتطورات الأخيرة، أدى الى تراجع كارثي في الاهتمام والدعم للقضية الفلسطينية، كما أدى الى تغيّب فلسطين ومشاكل المواطن الفلسطيني عن العناوين الرئيسية في الإعلام والتلفزة المحلية قبل العالمية، حتى أصبحت القضية الفلسطينية شبة منسية في الإعلام العربي.

 

أصبحت فلسطين مستهدفة من خلال هذه المتغيرات والانقلابات التي حصلت في معظم الدول العربية بسبب قيامها بإعادة استئناف المفاوضات مع إسرائيل لإنهاء كل الصراعات وإغلاق كل الملفات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، كما ان الإدارة الأمريكية في ظل الانشغال العربي في أزماتهم الداخلية، تريد تحقيق مكاسب لصالح حليفتها إسرائيل، لذلك رفضت سورية كل المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي وأكدت أن المقاومة هي الخيار الحقيقي الوحيد الذي يجب أن يحظى بكل الدعم والتأييد، و من هذا المنطلق جعلت سورية فلسطين قضية قومية لا تخص الشعب الفلسطيني وحده، واعتبرت أن أي حل للصراع العربي الإسرائيلي يجب أن يكون حلاً عادلاً وشاملاً، كما أكدت على التمسك بفلسطين وعروبتها باعتبارها جزءاً من الوطن العربي وحددت سياستها تجاه وحدات النظام الدولي بناءاً على موقفها من هذه القضية، واعتبرتها جزء من الذات السورية، فلا فلسطين قادرة أن تتحرر من دون سورية ولا سورية قادرة أن تدير ظهرها لفلسطين لأنها عندئذ تفقد معناها ودورها وذاتها مثل غيرها من الدول العربية التي تخلت عن قضية فلسطين

 

 وما قدمته سورية وما ستقدمه من تضحيات في سبيل هذه القضية واجب مقدس، فهو جوهر الصراع مع العدو الصهيوني، وأن سورية ملزمة بالنضال من أجلها ولن تتخلى عنها حتى يحقق الشعب العربي الفلسطيني تقرير مصيره ويقيم دولته المستقلة على أرض وطنه، وهذه الثوابت لا يمكن المساومة عليها لارتباطها بالعقيدة القومية التي تؤمن بها سورية، ورغم التطورات والأزمات التي حدثت وارتبطت بالقضية الفلسطينية بأشكالها ومستوياتها المتعددة فإن إدراك سورية لم يطرأ عليه أي تعديل أو تغيير في هذه الثوابت.

 

وفي مفهوم الدولة الفلسطينية الذي تسوغه إسرائيل بمباركة أمريكية تجد سورية أن تشكيل هذه الدولة الإسمية خطراً عليها، إذ تقف الى جانب الرافضين من قيام مثل هذه الدولة كونها ليست فقط تشكل استسلاماً لإسرائيل وتآمراً على الحقوق العربية وتفريط بالقضية الفلسطينية بل أنها تمس الحقوق السورية لذلك كانت قضية فلسطين هي الهاجس الذي ظل يمثل فكر الشباب العربي في سورية وخارجها.

 

إن ثورات الربيع العربي والنتائج التي آلت إليها كل التحركات الشعبية جاءت لخدمة المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة حيث تم استبدال الأنظمة العربية بأنظمة حكم أكثر ولاء لهذا المشروع، دلالة ذلك ما تقوم به الدول الاستعمارية وإسرائيل من بناء المستوطنات وبدعم عربي كامل وما تقوم به الجامعة العربية من تأزم للوضع العربي حرّف بوصلة النضال والجهاد ضد دول الاستعمار باتجاه العداء للواقع العربي ونشر المذهبية والطائفية وتفكيك التعاون العربي.

 

ما الذي غيّر الربيع العربي في خيوط القضية الفلسطينية بعد أن تخلصت مصر من حكم حسني مبارك، وما الذي حدث بعد أن تخلصت تونس من حكم زين العابدين بن علي، وفي ليبيا تخلصت من حكم العقيد معمر القذافي واليمن من العقيد علي عبد الله صالح وما الذي حدث بعد أن دخلت سورية ولبنان في دوامة حرب أهلية طاحنة.

 

لم يحدث شيء سوى أن إسرائيل فرضت على الفلسطينيين حروباً جديدة في قطاع غزة وغيرها من المناطق الفلسطينية، وتعزيز تلك الصورة التي أراد أن يصنعها وزير الخارجية التونسي لنفسه ولحزبه وهو يزور غزة في ثاني أيام الحرب، أو تلك التي قام بها رئيس الوزراء المصري أيام فترة محمد مرسي تضامناً مع الاهل في القطاع، وفي الوقت نفسه ما زال فيه معبر رفح في الوضعية نفسها، فضلاً عن استمرار العدو الصهيوني في بناء المستوطنات وقتل الفلسطينيين وسلب ممتلكاتهم، ولنذهب أبعد من ذلك ما الذي يمكن للعالم العربي أن يفعله، سوى الدعوة الى عقد قمة استثنائية طارئة للتشاور أو التنديد للمجازر التي يرتكبها العدو تجاه أهلنا في فلسطين.

 

فالظاهرة الاستعمارية هي المسؤول الأول والأخير عن معاناة الشعوب العربية التي اتبعت سياسة تعسفية لاستغلال خيراتها وثرواتها ولم تكتف الدول الاستعمارية مما أشعلته من حرائق في العالم العربي والإسلامي بل عملت الى التدخل في شؤونه الداخلية لتحقيق مطامعها وأهدافها في المنطقة، وما زالت هذه المخططات والمشاريع سارية المفعول حيث تحاول تنفيذها عبر خلق الأزمات والفوضى والفتن والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد في العديد من أقطار الوطن الواحد.

 

فالشعوب العربية تعيش اليوم حالة من الانقسام نتيجة خلق حالة من اللاستقرار السياسي والمادي لأن سياسة الدول الاستعمارية لا يمكنها العيش في منطقة قوية بل تريد تمزيقها وتفتيتها من خلال الركوب على ثورات الشعوب العربية حتى كادت صورة العالم العربي تكتسي بالسواد بين تمزيق وتقسيم وفتنة طائفية وصراعات دينية، بين شغب وثورة ضد الفساد والظلم، وأصبح العالم العربي هو الساحة الوحيدة لتطبيق الشرعية الدولية الجديدة بعد أن فقد أهمية لاعبيه في قضاياه القومية، فاستبيح الوطن العربي، وتم تفكيك المواقف العربية بحيث لم يعد هناك قضية قومية واحدة، على عكس ما كان العالم العربي يشيد حتى ثمانينات القرن الماضي انه جسد واحد تنتفض كل أعضائه إذ مس عضو فيها، وانشغل كل وطن بعلاقاته ومصالحه الفردية، فتراجعت الروح الجماعية وازدهرت العلاقات الإسرائيلية مع بعض الدول العربية.

 

في إطار ذلك إتبعت السياسة الغربية سياسة تقوم على الهيمنة والسيطرة من خلال التشتت والتقسيم ليشعر كل طرف بحاجة الى دعم الغرب له، فالعراق اليوم يشهد فتناً طائفية اشعلته تحت مظلة الديمقراطية المزعومة واليمن الذي أشعل فيه الحوثيين نيران الصراع المذهبي، وأفغانستان التي تتصارع فيه قوتان رئيستان أحدهما مدّنية والأخرى دينية متشددة والى باكستان التي تتمزق، والصومال التي تتحول من دولة الى شظايا من العصابات والقراصنة، ولبنان الذي اتخذ الفتن الطائفية مسار التصادم بين أبناء الوطن الواحد، وتونس التي شهدت تصعيداً سياسياً وطائفياً وعرقياً هدفه إضعافها وتجزئتها ، والسودان الذي انقسم الى الشمال والجنوب، والى سورية العروبة التي تحترق وتدمر من خلال ما تتعرض له من حرب عدوانية وتفكيك وتقسيم وإضعافها عن طريق الإطالة للحرب الداخلية الدائرة في أراضيها لإنهاكها وزعزعة استقرارها و تعميق الشرخ الطائفي والمذهبي وإشعال الحرب بين أبناءها، والى مصر التي تتجه الى انهيار مؤسساتي واجتماعي من خلال إثارة النعرات بين الاقباط والمسلمين، وليبيا التي استهدفت قوتها ومخزونها الكبير من الأسلحة، ولم تكن فلسطين غائبة عن المشروع الصهيوني الذي هدف الى قضم أراضيها والسيطرة عليها، بالإضافة الى التوترات الطائفية والمذهبية في العديد من دول العالم العربي في الشرق والمغرب على حد سواء.  

 

مما جعل هذه المجتمعات العربية عرضة للتدخلات والضغوط الأجنبية والاضرار بمصالحها الوطنية وتبديد ثرواتها الطبيعية وإيقاف عجلة نهضتها وتطورها دون اللحاق بركب الحضارة الإنسانية.

 

إن أمتنا العربية بكافة أقطارها واجهت مرحلة جديدة هي تنفيذ سايكس بيكو الثانية والتي هدفت الى تقسيم الأقطار العربية على أساس عرقي وطائفي وإقامة تحالفات إقليمية متعددة الهدف منها إضعاف النظام العربي على العمل المشترك ورضوخه تحت هيمنة الدول الاستعمارية الذي بات أكثر عرضة للضغوط الخارجية من خلال التحالف الصهيوأمريكي الذي يعيث فساداً في المنطقة والهدف منه هو ديمومة القضية الفلسطينية، واستطيع أن أقول هنا بأن الزحف الصهيوني باتجاه بناء المستوطنات في الضفة الغربية وتقسيمها الى مجموعة من الكونتونات واستخدام الجدار العازل كعازل جغرافي ما بين المستوطنات والأراضي الفلسطينية هي تخدم استراتيجية المشروع الصهيوني، وهذا المشروع مرهون بصمود سورية وقدرة شعبها على التماسك من خلال وحدتهم الوطنية والتمسك بحقوقهم وحقوق الشعب العربي.

 

وخلاصة القول أن القضية الفلسطينية لا يمكن ان تتآكل لأنها قضية حق وحق تاريخي، ومهما حاولوا أعداء الأمة تغّيب القضية الفلسطينية عن الشعوب العربية فإنها لن تغب وستبق القدس وقود الثورات العربية وستبقى في قلوب كل السوريين والعرب ولن تغيب عن أذهانهم وستبقى حافزاً لتحركاتهم وثوراتهم، كون المجتمع الفلسطيني دائم الحراك، وتبقى ديناميته، وبالأخص حدث الانتفاضة أنموذجاً لكل التحركات والديناميات، إذ هو من أعطى المثل والقدوة ذلك أن انتفاضاته ضد الاحتلال هي أيضاً ثورة ضد نظام استبدادي أغتصب أرضه.

 

 

وأنهي مقالتي بالقول أن القضية الفلسطينية كانت على الدوام في حاضرة الوجدان السوري وإن لم تجعل منها الحركات العربية مطلبها الأول، لذا يبقى التضامن مع فلسطين الأوتوستراد الذي يجب أن يسير فيه قلب كل عربي، ويجب على الأمة العربية إعادة الاهتمام بالقضية الفلسطينية وعدم تركها وحيدة ينفرد بها العدو الصهيوني، كما يحدث اليوم إذ استغل هذه الأوضاع فضاعف من إجراءاته العدوانية لتهويد القدس من خلال الإعلان عن إقامة آلاف الوحدات السكنية وهدم المنازل بعد مصادرتها وإرهاب المصلين وفق نهج مدروس لتقسيم المسجد الأقصى المبارك على غرار المسجد الابراهيمي، فضلاً عن تعزيز الوحدة الوطنية التي تعتبر مفتاح الأمن ولاستقرار والتنمية والتي تتحقق عن طرق التضامن الداخلي والالتزام بوطن واحد لا يقبل التقسيم أو العبث بمقوماته الأساسية وتاريخية  ومستقبله ووجود إرادة عربية قوية وصريحة تتعامل وتؤمن دائماً بالقضية الفلسطينية وتعمل على حلها.

 

2013-09-06
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
مساهمات أخرى للكاتب
المزيد