news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
قصص قصيرة
سأصنع نهايتي ... بقلم : ريم الأتاسي

لم تمت لكن كلما ذكر أحدهم اسمها أمامي سقطت الدموع من عيني مكرهٌ.. لماذا توجب عليها أن ترحل ولماذا اختارها الدهر لتغادر حياتي.. ومع هذا رغم الملامح البائسة والدموع ما أزال سعيداً فأنا من حصل على جائزة القصيدة التي افتخر بكتابتها والتي كانت بعنوان   "سأصنع نهايتي  " رغم أن نهايتي هي من صنعتني إن صح التعبير..


قالت لي يوماً عندما كنا نسير سوية تحت المطر:  " أنت شخص لا أستطيع توديعه.. ولن أودعه مهما كلف الأمر.. يمكنني أن أحلم بأنني أصافحك للمرة الأخيرة، ألوح لك بالوداع لكنني لا يمكن أن أوجد في ذلك الواقع..  "..

 

حقاً، فهي لم تلوح لي بالوداع عندما غادرت، لم تصافحني في آخر مرة التقينا فيها، افترقنا تحت المطر، لم نجد الوقت للوداع، قالت لي إلى اللقاء ثم جرت نحو الحافلة وصعدت، منعني بخار الأنفاس المتصاعدة التي كانت تقاوم البرد من رؤية ملامحها، أشعر في كل مرة أتذكر فيها ذلك الموقف أنني أتوق لمعانقة تلك الأنثى التي مازالت روحي متعلقة برائحة عطرها..

 

هاتفتها مراراً وتكراراً.. لم تكن تجيب، بعد فترة شهرين تقريباً خابرتني وكان صوتها غريباً، لم تقاوم دمعتها، كانت تبكي وكان قلبي يعتصر ألماً،   "ما الأمر؟!  " سألتها لكنها لم تجب، أقفلت سماعة الهاتف في وجهي، بقيت أنتظر هاتفي أن يرن لأكثر من عام على أمل أن أسمع أي شيء عنها، حتى ولو كان خبر موتها..

 

لست قاسياً، لكن رحيلها المفاجئ كان قاسياً لدرجة علمتني القسوة، علمتني كيف أتجاهل نظرات النساء وهن يحاولن إغوائي، كتبت في ذلك الوقت مايزيد عن المئة قصيدة، مزقتها جميعاً، فلا واحدة منها كانت تنصف وصفها، ولا واحدة منها كانت قادرة على وصف مرارة فراقها..

 

لم أرها، أختفت هكذا كما في الأفلام، لو كنت ذا خيال واسع لاعتقدت حقاً بوجود الكائنات الفضائية التي يزعمون بأنها تختطف البشر..

 

مصير الدموع أن تسقط أرضاً..

مصيرنا أن نفتقدهم..

أن نشتاقهم ولا أمل في لقياهم..

هكذا هي الحياة طعنات متتالية يفصل بينها ابتسامة عابرة، أو ضحكة خارجة من قلب مل الألم..

 

لا أعرف كيف جرى كل هذا، أو كيف مضى الوقت، استلمت الجائزة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، كانت دوواين شعري تحتل أعلى نسبة مبيعات، فقدت بعدها هبة الكتابة، مزقت دفاتر المراهقة، وأحرقت أشعار المساء، وكفرت بكل ما يدعى شعر..

 

التقيتها بعد خمسة عشر سنة في أحد المقاهي، كانت ملامحها غريبة جداً ومع هذا تعرفت عليها منذ الوهلة الأولى، جريت نحو الطاولة حيث كانت تجلس، وضعت يدي على كتفها، كان قلبي يرتجف، وجسدي يرتعش، التفت هي مرتعبة، أطالت النظر في عيوني، لمحت في نظراتها الدهشة، هل يعقل أن تكون نسيتني، لا هذا غير معقول..

 

  "جميلة  ".. صحت باسمها، التفت إلى صديقاتها اللاتي كان يجلسن معها، اقتربت مني إحداهن ثم أبعدتني عن مكان جلوسهن..

-         ما الأمر؟

-         لم تعد   "جميلة  ".. إنها ليست   "جميلة  ".. إنك مخطئ..

 

-         لا .. لا يمكنني أن أخطئ، قد أخطئ في تفسير الملامح، قد يغير الوقت من لون شعرها، من وزنها، من طولها، من أي شيء لكنه يعجز عن تغير رائحتها، تلك الرائحة التي أدمنتها لسنين طويلة..

-         لكن..

-         لم آتي اليوم بعد كل هذا لأدمر حياتها، جل ما أريد أن أعرفه لماذا رحلت؟

 

-         لقد اكتشفت بأنها تعاني من مرض خطير، فضلت أن ترحل، سافرت لتتلقى العلاج في دولة أخرى، هي فقط لم ترد أن تؤلمك..

-         تؤلمني.. هذه السيدة دمرت حياتي..

ابعدتها عن طريقي، وعدت وجسدي يشتعل غضباً.. اقتربت منها وجهت نظري نحوها، كانت أنفاسي تتصاعد بقوة، شعرت بأن قلبي سيتوقف عن الخفقان..

 

-         قولي بأنك تكرهينني، قولي أي شيء، لقد أنساني الوقت حبك، إنني اليوم أعيش بسعادة، السعادة التي أبتغيها أنا.. السعادة التي صنعتها بنفسي والتي لم أكن بحاجة لأحد معي كي أصنعها..

-         هل تتحدث معي؟

قالت بلهجة باردة، لم يكن صوتها أبداً، لم يكن يشبهه بشيء، لم تكن ملامحها، كانت فقط رائحة العطر التي تفوح منها..

 

-           "جميلة  "؟

-         عن ماذا تتحدث؟

-         أنت لست   "جميلة  "..

-         بلى أنا أدعى   "جميلة  "..

قاطعتنا إحدى النسوة التي كانت تجلس على الطاولة..

 

-         مابك يارجل .. هل أنت مجنون، هذه المرأة مصابة بمرض الزهايمر، حتى لو كنت تعرفها حقاً فهي لن تتعرف عليك..

-         ماذا تقولين؟

-         أعتقد بأنك مخطئ ..

-         أجل أعتقد بأنني كذلك.. أنا أعتذر..

 

غادرت المقهى والحزن يغمر قلبي، شعرت بأن الدموع تتساقط مكرهة من عيوني، رحت أسير مسرعاً على الرصيف محاولاً أن أبتعد قدر الإمكان عن المقهى قبل أن يطرأ على عقلي شيء وأعود فأقتل تلك المرأة..

 

توقفت عند أحد المقاعد القابعة أمام أحد الحدائق، جلست عليه محاولاً أن أسترد أنفاسي، تغلغلت رائحة عطرها في أنفاسي، استيقظت مرعوباً من حزني، نظرت اتجاه الرائحة، لحقت بالمرأة التي كانت تسير بمحاذاتي، وضعت يدي على كتفها., التفت إلي مرتعبة..

-           "جميلة  "؟

-         شكراً لك..!!

-         لا .. لقد قصدت بأنك جميلة..

-         أشكرك..

-           "جميلة  "..

رحت أردد الكلمة كالمعتوه، رحت ألحق النساء في الشوارع، أستوقف من تحمل عطرها، أنادي باسمها، حتى أنهم في النهاية أسموني   "مجنون جميلة  ".. أجل ربما أكون قد صنعت نهايتي، وربما تكون نهايتي هي من صنعتني إن صح التعبير.

 

https://www.facebook.com/you.write.syrianews

2013-12-21
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
المزيد