news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
قصص قصيرة
مروان المنتقم يتمشى إلى قبره بلا سند (3) .. بقلم : محمد نجدة شهيد

1- عمـد الشيخ فصيح إلى المسارعة في إجراء جلسات العلاج في منزل مروان ، واختار لذلك عِّلية غير مضاءة بشكل جيد وبلا نوافـذ . وفي إحدى هذه الزيارات كشف لمروانة بأن زوجها مصاب بمس من الجن الذي يُسبب له كل الأمراض الأخرى التي يُعاني منها ، وإنه قادر من خلال صداقته الطويلة معهم على شفائه ، ولا يتطلب الأمر في البدايات أكثر من زجاجة زئبق أخضر " بس سيدنا بيقولوا أحمر" ... " كانوا يا مدام كانوا ... هالأيام عبيطلبوا أخضر على لون الدولار" .


 2- كان الشيخ فصيح في نفس الوقت قد أسّر لمروان في إحدى الجلسات بأنه على علاقة وثيقة بالجن ، وإنه يستعين بهم في قضاء حاجات أصدقائه ، وإنه مستعد أن يُقدمه إليهم إذا أراد . وكل ما يتطلبه الأمر في البدايات زجاجة زئبق أخضر كعربون للصداقة لكونها المادة الوحيدة التي لا يستطيعون الحصول عليها بمفردهم ويُجددون بها شبابهم في كل الفصول . واستطاع أن يُقنعه بأنه لا يوجد شيء معيب في هذه العلاقة لأن القرآن الكريم تحدث عنهم ، وبأنهم كائنات مثلنا . ومن كان يُؤمن بالملائكة كان حتماً عليه أن يُؤمن بالجن .

 

 

 3- حكى الشيخ فصيح لمروان في العِّلية بعض تفاصيل تجربته معهم ، وكيف كان عندما يستدعي الجان  يأتي إليه مسرعاً فيبدو الممر المفضي إلى غرفته مشتعلاً بالنيران ، وحين يدخل إليه يحتضنه بشدة فيُغمى عليه فترة غير قصيرة ، وهذا ما سبب له آلام انعكست على صحته مثل الهزة الدائمة في الرأس ، لكنه سرعان ما أعتاد على ذلك

 

 وأصبح الجان صديقه يُفضى إليه بكل ما يُريد ويُحقق له ولمن يُريد المعجزات . وشدد الشيخ فصيح مراراً على موضوع الاحتضان لكي يهيئ مروان للقادم والذي أعرب عن استعداده لذلك في سبيل اقامة وإنجاح هذه العلاقة . وقال "معلش معلش أنا مو أحسن منك .. بعدين أنا حجيت لمكة من زمان وبفهم هالشغلات" .

 

 

 4- شرح الشيخ فصيح لمروان البدايات والتي تتضمن صلاة ركعتين قصيرتين بدون ملابس بعكس اتجاه القبلة يقرأ فيها آيات محددة من سورة النمل يكتبها له الشيخ فصيح بحروف كبيرة يضعها أمامه أثناء الصلاة ولا يقرأ غيرها . وبعدها يشرب نصف كأس ماء محلى بالسكر على ثلاث دفعات متتالية يقوم بتدويرها في كل مرة بدون أن ينظر  فيها ، ثم يجلس القرفصاء على السرير متل متصوف هندي بعد أن يضع رأسه تحت غطاء من القماش يغطي كامل جسمه تقريباً بهذه الوضعية بينما يستدعي الشيخ فصيح الجن ويعرض عليهم الصداقة الجديدة مع  مروان .

 

 

 5- وفي اليوم التالي حضر الشيخ فصيح بوجهه الدميم المحفور ببثور الجدري وهو يحمل حقيبة صغيرة فيها زجاجة تحتوي على مادة ثقيلة مصبوغة بلون أخضر، بالإضافة إلى مجموعة من الدهون والكريمات كالتي يستعين بها أهل السودان ليلة الزواج . وسرعان ما طلب من مروان البدء في الخطوات التي شرحها له يوم أمس . وبدأ الشيخ فصيح يهتز في حركات مفتعلة وهو يتمتم بكلمات مبهمة . وأخذ يميل برأسه قليلاً تارة نحو اليمين وتارة أُخرى نحو اليسار كأنه يستمع إلى صوت يأتيه من هناك .

 

 ولاحظ الشيخ فصيح أن مروان وهو ينزع ثيابه كان يضع ثلاثة حجابات فطلب منه على الفور أن ينزعها أيضاً ، فقال له " لا تخاف لا تخاف هدوله واحد من شان الخوف والتاني من شان العين والثالث للبركة والرزقة من اين ما تجي ببوسه كل ما بطلع من البيت" .

 

 

 6- كانت المادة المخدرة التي أذابها الشيخ فصيح في كأس الماء كافية لجعل مروان يفقد وعيه لفترة من الوقت يكون فيها الشيخ فصيح قد نال ما يريد قبل أن يسترد مروان وعيه من جديد ويسأل على الفور " دخلك اجوا بعدين .. شو قالوا يعني بيمشي الحال" . أكد الشيخ فصيح لمروان بأنهم " اجو بس ما رضوا يأخذوا شيء في أول لقاء .. بتعرف هدوله حذرين بطبعن . بركي بكره منعمل محاولة تانية " . طلب مروان من الشيخ فصيح أن يخليها بعد شيء كم يوم لأنو حاسس بألم في جسمه غير شكل .

 

7- كانت مروانة كثيراً ما تسمع أصوات مبهمة وهمهمات غريبة صادرة عن العِّلية خلال جلسات المعالجة التي كانت تستغرق في بعض الأحيان أكثر من ساعة . وكانت تتوهم أن الأمر لا يعدو أكثر من صوت الشيخ فصيح وهو يتفاهم مع الجن بلغتهم الخاصة . وفي إحدى المرات غلبها الفضول والقلق في آن واحد عندما طالت الجلسة أكثر من   المعتاد ، فصعدت على كرسي لترى ما يجري من إطار زجاجي مثبت فوق الباب للإنارة ولسانها يلهث بقراءة المعوذات الثلاث .

كانت هناك سحابة من الدخان تقف ساكنه وسط العّلية من منقل بخور يفرقع جمرهُ شراراً حجبت الرؤية فلم يتبين لها أي شيء .

 

 8- ولكن سرعان ما طرق سمعها صرير خافت ومتواصل يكاد لا يُسمع . وما أن ركزت ناظريها حتى تبين لها على الفور حقيقة ما يجري على سرير مروان ، وكاد يُغمى عليها ، وتقع عن الكرسي من بشاعة ما رأت . فذهبت بخطى سريعة إلى المخفر أول السوق حيث عاد معها على عجل اثنين من الشرطة قاما باصطحاب الشيخ فصيح مكبل اليدين مطأطئ الرأس وهو يؤكد لهما طوال الطريق بأنه كان عبيعمل مساج لمروان .

وجلست مروانة بجانب زوجها تبكي بحرقة ريثما يستعيد وعيه . وعندما أفاق من الغيبوبة سأل على الفور وهو يفرك جبينه كمن يشكو من صداع شديد " إن شاء الله إجووا " . فردت عليه " إيه إجووا وأخدوا معن " ... " يا لطيف شنون هيك . ما بحسن بدي يـاه " .

 

 9- أصبح مروان في حالة يُرثى لها بعد انقطاع زيارات الشيخ فصيح ، واشتداد مرضه النفسي وبلوغه أقصى درجاته حدة . وكان لا يزال يتكلم أثناء نومه مردداً أسماء بعض ضحاياه . وسرعان ما وجد نفسه من جديد في الطريق إلى المصحة العقلية حيث كان في استقباله د. بيسان الذي وضعه في الجناح الغربي المطل على الحديقة العامة للبناء .

 

وأخذ مروان في تناول دواء مكثف وصفه له أطباء المصحة ولذلك فقد كان ينام وقتاً طويلاً مما كان يتطلب الحاجة إلى وضع قسطرة بولية أو فوط صحية لكي لا تقوم مروانة بالذهاب إلى المصحة لتبديل سراويله المبتلة صباح كل يوم . وكان مما يزيد من سوء الحالة أن مروان كان من شدة سذاجته يُكثر من شرب الماء لكي يغسل ما في أعماقه من سواد وشرور وآثام .

 

 10- وصدف أن تأخرت مروانة في صباح أحد الأيام ، فقامت عاملة التنظيفات هناك ، بالاستعانة بإثنين من النزلاء الأشداء ، بما يلزم لكي لا يعملها مروان مرة ثانية . ومن يومتها بدأ التوتر يسود علاقات مروان بمن حوله من النزلاء زاد من حدتها ما كان يدعيه أمامهم بسذاجة أنه على علاقة مع الجن ـــــ مخاوي ــــــ يستخدمهم لقضاء حوائجه وحوائج أصدقائه ، وكيف كان الجان ، مثل ما سمع من الشيخ فصيح ،  حين يستدعيه يأتي إليه مسرعاً فيبدو الممر المفضي إلى غرفته مشتعلاً بالنيران .

 

 

 11- وشهد أحد النزلاء أمام الآخرين أنه رأى أكثر من مرة شعلة نار تدور بشكل خاطف في ممر الجناح لم يتمكن من معرفة ماهيتها قبل أن يخبرهم مروان بما قال . في حين اشتكى نزلاء آخرون لإدارة المصحة من سماعهم لأصوات مبهمة ورؤيتهم لأشباح تقلق راحتهم في مجيئها ورواحها طوال الليل لغرفة مروان ، وكان أكثر ما يزعجهم ضوء شعلة النار التي تسبق حركتهم وتمنع عن جفونهم النوم . نزيل آخر قال أنه شاهد أكثر من مرة أشباح مرتعشة تقوم بعد منتصف الليل بطرق الأبواب بحجارة من سجيل وهم يسألون عن غرفة مروان  وأحدهم كان يحمل سلة مليئة بأنواع الفاكهة سقط بعضاً منها في الممر من سرعة حركته . وقام هذا الشاهد بالتقاط إحداها في صباح اليوم التالي وتسليمها إلى إدارة المصحة .

 

 

 12- ربما أراد مروان من ذلك إخافة النزلاء ليتقي شرهم ، لكن هذا الادعاء كلفه لاحقاً ضربة قوية ببلاطة قلعها الشاهد الأول من أرضية المطبخ بعدما فشل مروان مراراً في تلبية أي من مطالبه المشروعة كان آخرها طلب تزويجه من الملكة بلقيس نكاية بخطيبته التي تركته وتزوجت ابن عمها . وسببت هـذه الضربة لمروان جرحاً غائراً في جبهته بقيت آثاره واضحة لحين وفاته ، ونجم عنها نزيف بسيط في المخ أدخله في غيبوبة قصيرة تمنى الكثيرون أن تكون شارونية

 

 وأدت إلى فقدان جزء من ذاكرته وصعوبة بسيطة في النطق بعدما استرد وعيه وعاد ليقيم من جديد في غرفة الشيطان لاستكمال العلاج هناك حيث فقد الكثير من وزنه ، وبدا لمن حوله ذابلاً كشمعة على مشارف الإنطفاء لا حاجة إلى جهد كبير الآن لدفعه من النافذة إلى الهاوية إذا ما أراد أحدهم . ولم يعد مروان  يتعرف في الفترة الأولى بعد خروجه من الغيبوبة على سائقي المخزن أو على غيرهم وصار كلما سأله أحدهم تذكرتني .. تذكرتني أنا فلان . فيقول له "هبيبي هبيبي" . وهي كلمة كان يقولها لكل من يزوره أو يتحدث إليه ويقصد بها حبيبي .

 علة في النفس لا يُشفيها سوى الموت

 

 13- كان مروان من أولئك الأشخاص الذين يحصلون بغير تعب على كل ما يجعل الحياة هنيّة ولا يقنعون ويطمعون دائماً إلى ما ليس لهم ، وهكذا يظلون معذبين بمطامعهم إلى نهاية أيامهم . وكان كلما فكر في الزواج ، لكي ينفي عن نفسه التشوه الأخلاقي والسلوكي الذي لازمه سنوات طويلة ، تراءت له زوجته في أحضان رجل آخر، وتراءى له أطفاله يجرون في بيته ويُنفقون من ماله الأسود الذي يتدفق بين يديه ، ويحملون إسمه وهم أولاد رجال آخرين ، فترتعد فرائصه من الهلع ويلعن الزواج ويُمجد العزوبية . وعلى الرغم من كل ذلك ، وبعد أن احتار كيف يخدع نفسه قبل أن يخدع الآخرين لينفي عنها الأقاويل ويُبعد عنها الظنون ،  فقد تقدم لخطبة فتاة في السنوات الأخيرة وقد قارب الحلقة الخامسة من عمره .

 

 

 14- ونظراً لكون هذه الأفكار والمخاوف تفاجئه دائماً في الحلم ، فقد طالت فترة الخطوبة أكثر من ثلاث سنوات كان يقوم خلالها بالحديث عن موضوع الخطوبة في كل المناسبات ، وصار يطلب من الناس يباركوله ويدعوله بأن يكون بيت مال وعيال . وشغل جميع السائقين من حوله بالذهاب والإياب الى بيت الخطيبة في العمارة المجاورة لأغراض شتى .

 

 وكانت هذه المخاوف والشكوك ، التي تتكاثر بشكل طبيعي ودائم بداخل مروان كقطيع من الأرانب السوداء ،  تتحكم في كل تصرفاته وردود أفعاله ، وتعدت آثارها المدمرة للذات ولمن حوله ووصلت حتى المخزن . فكان أن فرض مراقبة على الاتصالات الهاتفية بعد أن منع كافة الموظفين من اصطحاب هواتفهم النقالة لجعل اتصالاتهم تتم عبر المقسم . كانت تعاسته عله في داخل النفس لا يُشفيها سوى الموت .

 

 

 15- وكان من ضمن ما لجأ إليه مروان لخداع الناس ، قبل إقدامه على خطوبة الفتاة ، ادعائه بقيامه بأداء فريضة الحج حيث تعمد شد الرحال على متن إحدى الحافلات العامة جنوب المدينة التي تنقل حجاج البيت في الموسم لكسب أجر وثواب عناء الطريق كما قال مروان لمودعيه من سائقي المخزن الذين لم يكن يدرون حقيقة نواياه العفنة .

 

 وهكذا صعد مروان الحافلة وعلى ذراعة الأيسر ثياب الإحرام ولسانه لاهج بقراءة أدعية الاستغفار والأذكار من ورقة كان يحملها في يده اليمنى . ولكن ما أن وصلت الحافلة كراج "ساحة العبدلي" وسط عمان حتى نزل وأخرج حقيبته بمساعدة أحد العاملين في فرع المخزن هناك الذي اصطحبه إلى منزله في وادي سقر حيث بقي هناك طيلة فترة الحج  يسهر في الليل ويتسوق في النهار على حساب هذا الموظف بانتظار عودة الحافلة . وكان مروان حريصاً على شراء أشياء موجودة في أسواق مكة والمدينة .

 

 

 16- ولما حان موعد عودة الحجاج وقرب وصول الحافلة إلى عمان ، أسرع مروان إلى أقرب حلاق ثم انضم إلى بقية الحجاج في الحافلة ، ووصل دمشق حيث لبس الحاج مروان عباءته الحجازية والطاقية البيضا التي اشتراها له موظف المخزن في عمان من سوق البخارية ، وجلس في وقار مصطنع في صالون البيت يستقبل وفود المهنئين من السائقين وغيرهم يحكي لهم عن لحظات الخشوع والعبادة في رحاب الحرم ، وعن ماء زمزم " يالله شو طيبة الواحد ما بيشبع منها "

 

 وعن الأجواء الروحانية التي عاشها أثناء زيارته للمدينة ووقوفه بقلب خاشع أمام ساكن الحجرة عليه السلام . ولما طلب أحد المهنئين من الحاج مروان أن يُسقيهم شربة ماء زمزم ، قال من كتر ما هي طيبة شرب البيدون اللي جابه معه كله على الطريق . " يالله .. إن شاء الله بتزوروا متلي وبتشربوا من هنيك " .

عندمـا يُبـدع القـدر فـي تصفيـة الحسابـات

 

 

 17- إعتاد مروان أن يذهب بصحبة رؤساء قسم العلاقات العامة المتعاقبين في المخزن إلى مطاعم محددة في المدينة لتناول الغذاء ، وأحياناً العشاء ، على حساب المخزن . كان مروان يتهافت على أية مائدة مهما كانت ، لا يبالي ماذا يدخل جوفه ، يلتهم كل ما أمامه من طعام بشكل سريع مثل دودة قـز مشرفة على الموت جوعاً .

 

 تسمع صرير أسنانه وهي تطحن الطعام وكثيراً ما يتجشأ أثناء ذلك . وإذا شرب قرقر حلقه بالماء يتكرعه بأصوات عالية وهو يمصمص بشفاهه . وكان كثيراً ما يُحدث طقطقة بلسانه وهو يطلب من العاملين في المطعم إحضار أطباق الطعام والمقبلات . وفي نهاية الوجبة لا بد من حفنة فلفل أسود وكاسه كمون بالليمون لتعدل معدته وتساعده على الهضم . وفي بعض الأحيان ومن كثرة ما يتناول من صحون المقبلات أن لا يبقى في معدته مكان للطبق الأساسي . 

 

 

 18- وهكذا يضطر مروان إلى مغادرة المطعم وكرشه منتفخ مثل قربة ماء مملوءة إلى آخرها من المقبلات ، بعد أن يأخذ معه كيس يضع فيه عمال المطعم محتويات الطبق الأساسي ومأكولات أخرى في صحون مغلفة بالنايلون ، والعودة إلى بيت الشيطان حيث تراه خائر القوى طريح مكدود خامل الحس هزمته أطباق الطعام المجانية بعد أن كدسها في الوعاء الذي ما ملأ ابن آدم شراً منه إلى أن يُهاجمه النوم ويبدأ شخيره وفرقعه كرشه المنفوخ تملأ المكان .

 

 

 19- وفي يوم من الأيام كان هناك وفد من مدينة "زوراكـو" ، الواقعة على طريق البخور الجديد ، يُجري محادثات في المخزن طالت أكثر مما هو متوقع مع المدير العام حول عرض بضائع متنوعة خلال موسم الصيف ، ولم يتمكن الوفد لضيق الوقت من تناول الغذاء كما كان مقرراً في إحدى غرف الطابق العلوي . فقام مروان بالاستفراد بالطاولة المُعدة لأربعة اشخاص وما عليها وهو يضرب كفيه على كرشة تعبيراً عن فرحه بمثل هذه الوليمة الغنيمة .

 

وكان على الطاولة طبق امتلأ أنفه وكامل الطابق العلوي برائحته النفاذة .. الشرحات المطفاية بالثوم . كان هذا طبقه المفضل الذي يحرص دوماً على وجوده في قائمة طعام الدعوات ليتمكن من تناول البقايا بعد انصراف المدعوين .

 

 

 20- وشرع مروان يلتهم بعيون جائعة فيها ألم الحرمان ما أمامه من طعام وبسرعة كعادته ، وهو يسمع طيلة الوقت أصواتاً خفيه من حوله لم يعتد سماعها من قبل ، ولم يتمكن من معرفة حقيقتها . وأعتقد للوهلة الأولى أنها صوت تلفاز غرفة المناوبة . كان طائر الصدى يرفرف حول مروان دون أن يشعر به تماماً يرقبه وهو يطحن الطعام المحتشد في فيه ، يضع لقمة بيد بينما تكون الثانية تمسك بالأخرى .

 

ويبتلع في تلك الأثناء حساء الدجاج الساخن وهو يمسح عرقه بكم قميصه ويتجشأ كعادته . والموظفون منهمكون بتسخين الأطباق الواحد تلو الآخر بدون أن يتجرؤوا على مد أيديهم لتناول ولو لقمة واحدة يُسكنون بها جوعهم .. لم يضطرب هكذا قلب مروان من قبل ، ولم يشعر بأن حكايته قاربت على الانتهاء وسوء العاقبة أظلت ساعتها .

 

 

 21- قصم مروان تقريباً ظهر معظم الأطباق الموجودة أمامه على الطاولة ، وقام بوضع قطعة مـن النابلسية الساخنة على قطعة خبز تنور وأخذ يلتهمها وهـو يسير عائداً إلى غرفة الشيطان والطائر يرفرف في أعقابه ، في الوقت الذي انشغل فيه الموظفون بتعبئة بقايا الطعام كالمعتاد في مثل هذه المناسبات في صحون وتغليفها بالنايلون ووضعها في براد خاص بمروان أمام فسحة الدرج القريب من بيت الشيطان لكي يلتهمه في أوقات أخرى ، ويُرسل بعضه إلى مروانة وأحياناً إلى أهلها في العمارة المجاورة .

 

 

 22- ودخل مروان بيت الشيطان ، وبدأ كعادته بالاتصال مع عبد الغفور رئيس قسم كتلة بناء المخزن لإعطاء التوجيهات ومعرفة ما يجري في البناء . وكان مروان عادة ما يتحدث إليه بعدم اكتراث ، ويرفع صوته لدرجة الصراخ وبدون سبب في معظم الأحيان . كان يدرك ظروف عبد الغفور ويعرف تماماً ماذا يريد بعد أن انتقل منذ فترة  قصيرة من أحد فروع المخزن في الخليج حيث ترك أُسرته على أمل العودة إلى هناك من جديد ، ولذلك عمل مروان على المبالغة في استغلاله والاستخفاف به بقدر ما يستطيع .

 

 

 23- كان عبد الغفور رجل طيب القلب وإن كانت بعض تصرفاته تدل عكس ذلك . لم يهبه الله ، فيما يبدو ، القناعة والرضى بالمقسوم . يقوم في منتصف الليل ، عندما يكون المخزن غارقاً في الظلام والحراس يبتسمون في نومهم ، بتفقد أرجاء البناء بخطى متثاقلة وبحواس شاردة وهو يُعّلق جهاز لاسلكي أسود على طرف صدره الأيسر، يُحدث نفسه بأمور شتى ، وهو يجرجر قدميه من طابق إلى آخر، تكون خلالها شفتاه تتحرك بلعنات غير مسموعة تشي بها قسماته المُكْفَهِرَّة . وفي معظم الأحيان يظل على هذه الحالة حتى ينطلق صوت المؤذن يُعانق أمواج الظلام ، فيتنهد ملئ صدره ويعود ليستسلم للنوم بعد أن يستلقي متوسداً ذراعيه على كنبه في غرفته .

 

 24- وعلى الرغم من كون عبد الغفور يعلم تماماً حقيقة ما يعتمر في داخل مروان من كراهية ومشاعر عدوانية حاقدة ناقمة حتى على ذاتها ، فقد عمل بكل ما يستطيع لاسترضائه والتقرب منه بكل سبيل ليِخْلص ، على الأقل في هذه المرحلة ، من شرور ورذائل مروان التي كبلت روحه حتى يكتب الله أمراً كان مقضيا لوقت طلعته القادمة .  ونظراً لكونه يعرف بعض طرق مروان في استلاب الموظفين ، مثل الاثنين الذين جرى التمديد لهما هذا العام دون غيرهما من أصل عشرة ، فقد حاول إعطاء مروان مبلغ من المال كدين من شان يطالع الشتوية ويدهن البيت عالصيفية لكون معظم جدران البيت الشمالية وخاصة المطبخ يُصيبها ، كما سمع من بعض السائقين ، رطوبة شديدة تقلع الدهان كل سنة . غابت عن ذهن عبد الغفور بعض الأمور . فمروان ما بياخد سلف لأسباب واضحة . وبعدين ما دقق منيح ، هذا على أهون تقدير، في قائمة أسعار الخدمات التي يقدمها مروان .  

 

 

 25- وهكذا بدأ صوت مروان يرتفع على الهاتف لدرجة الصراخ ، وهو لايزال يلتهم سندويشة النابلسية بسرعة   كعادته ، عندما أعلمه عبد الغفور باستمرار ظاهرة فقدان قطع الصابون في بعض حمامات المخزن والتي نسيها مروان بسبب حالته الصحية . وفجأة توقف مروان عن الحديث ووضع السماعة على الطاولة أمامه ، وراح يبحث بيدين مرتعشتين عن زجاجة ماء . وسرعان ما أحتقن وجه الكئيب الأسود ثم تحول إلى الاصفرار ثم الزرقة ، وبدأ العرق يتصبب من جبينه ، وأنفاسه تتسارع بشكل مضطرب وهو يُحاول بدون جدوى إخراج لقمة النابلسية التي غصت في حلقه ولم يستطع بلعها .

 

 

 26- وما هي لحظات حتى تحجرت نظرات مروان ، وتدلى لسانه خارج فمه وعليه آثار تقرحات مائلة إلى الخضرة ، وخارت قواه وانكب على وجهه وهو يرتعش ويتلوى بشدة فوق ثلاث أو أربع موبايلات يضعها أمامه على الطاولة كالمعتوهين . كانت صورة مروان لا يُمكن أن تُنسى وهـو يُحاول أن يتشبث بالحياة وأن يُنادي أمه بينما يسمع صراخ الهاوية حيث تتراكض الأشباح المخيفة في انتظاره . كان مروان يتمشى إلى قبره بلا سند .

 

 

 27- وكان عبد الغفور يتأهب لتقديم اقتراح جذري لظاهرة فقدان قطع الصابون في بعض الحمامات ، والتي شغلت اهتمامات مروان لفترة من الوقت قبل اشتداد مرضه ، بتركيب مضخة صغيرة يُوضع فيها صابون سائل ، حين بـدأ يسمع أصوات تخبطات وأنفاس مروان المضطربة والمتسارعة .

 

وأعتقد في البدء أن الأمر لا يتعدى موجه جنون انتابت مروان كالمعتاد ، أو أنه بدأ بإجراء اتصال هاتفي جديد ، أو يرد على اتصال آخر خاص بالمدير العام قبل أن يقوم بتحويله إليه . وبدأ صوت عبد الغفور ينساب عبر سماعة الهاتف يسأله أكثر من مرة برفق ولين إستاذ مروان .. إستاذ مروان بتأمروا شيء تاني .. ولا أحد يـرد .

 

لقد تمكن طائر الصدى أخيراً من رؤية عدالة السماء تتحقق في هذه الحياة الدنيا . وبدأ من لحظتها يستعد لرحلة العودة إلى غابات الجبل الأسود بعد أن أدرك ثـأره أخيراً ليروي من هناك قصة شخصية قلقة عابرة حجبت عن نفسها رحابة العالم وسعة الحياة ، ولم تتمكن طيلة حياتها في التصالح مع نفسها وفي تحقيق توازنها الداخلي ونضجها الشخصي.

 

28- لا أحد يعلم بالضبط ماذا كان يتَرَاءى أمام عيني مروان وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة . هل كانت الأموال المكدسة في بنوك العم سام التي جمعها واحتواها من وجوه الحرام ، أم أطياف ضحاياه تتراقص أمام مخيلته ، أم صور بعض الموظفين مشاريع ضحاياه ، أم صور من حوله وهم يذرفون دموع اصطبغت بألوان حائرة ، أم صورة ابنه صفعان والشكوك التي تتلبسه منذ ولادته ولا تُورث إلا الجنون . أم صحون الطعام التي لا تزال مغلفة بالنايلون في البراد من بقايا الدعـوة ...

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مـروان المنتقـم في مقابـر الصدقة على أطراف المدينة (4)

وفي اليوم التالي كان بعض الموظفون يتناولون الغذاء في مطعم وسط المدينة . وتوقفوا بعد خروجهم عند أحد الأكشاك لشراء مشروبات باردة . فاشترى أحدهم صحيفة " المدينة " وأخذ يُقلبها بين يديه وهو يسير بجوار رفاقه على رصيف الشارع . ووقع بصره فجأة في صفحة الاعلانات على نعوه بإسم يعرفه خير المعرفة .. الفاضي  مروان .

 

 https://www.facebook.com/you.write.syrianewsws

 

2014-06-03
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
مساهمات أخرى للكاتب
المزيد