news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
قصص قصيرة
لقطة عفوية ...بقلم : محمد عصام الحلواني

بسم اله الرحمن الرحيم

رجع الرجل إلى بيته مرهقا وهو يحمل في يديه بضعة أشياء من حاجيات المنزل . و كانت خطواته بطيئة ويمشي بهدوء وتثاقل وملل . وكلما مشى بضع خطوات وقف ليستريح  قليلا . ولم يكن التوقف كثيراً يزعجه . فهو الآن  يمر في أحد الأزقة القديمة لمدينة دمشق العريقة . وكم كان يغرق في تأمل تفاصيل فن العمارة القديمة وروعتها  .  وكانت الأفكار تخرجه من واقعه المؤلم في رحلة عبر الزمن فيضيع في أدق التفاصيل الصغيرة ويغيب عن الوعي لدقائق معدودة .


كان هناك غلام في الثالثة عشرة من عمره أو أكبر قليلاً يقف على باب بيت . قريب من مكان استراحة صاحبنا .

كان الغلام يطرق باب بيت عربي قديم . فأطلت عليه امرأة في العقد الثالث من العمر . من أحد النوافذ القديمة المرتفعة . وكانت تتوشح بالستارة البيضاء الموضوعة على النافذة .

قالت : و بحدة . ماذا تريد

أجابها الغلام بصوته الذي بدأ يخشوشن معلنا عن دخوله عالم الكبار : أنزلي

قالت : لن أنزل ( مالي فاضيه ) إنني أشرب القهوة مع أم زكي .

 

فألح عليها بالنزول مرتين أو ثلاثة . وكم كانت عنيدة . ولم تفهم من إلحاحه أنه يريد أن يقول لها شيء في سرها .

فقالت بنبرة فيها حنق وغضب : ( شو بدك خلصني )

وعندها وصل الولد إلى قرار المراهقين الذي فيه تسرع وانتقام فوري . وقال ما عنده :

قال لها : الألف ليرة التي تعرفين ( طارت )

شهقت وقالت : ( كيف طارت )  .

قال : لا أعلم البابا قال لي أن أنزل إلى السوق وأشتري بها لحم .

فقالت : ولماذا اللحم ؟

فقال الغلام : لا أعلم

 

أعادت نفس السؤال مرة أخرى بصيغة الغاضب المستنكر . وأجابها ابنها برفع حاجبيه وكتفيه وإسدال شفته السفلى . كل هذا وصاحبنا يراقب الموقف دون أن يجرؤ أن يأتي بأي حركة أو همسة . فهو يريد أن يعرف تفاصيل أكثر عن موضوع الألف ليرة . ولقد كادت تخرج من فمه أصوات السعال لكنه كتمها لكيلا يغير مجرى الأحداث بينهما .

قالت لأبنها : بلهجة الاستهزاء والاستنكار . ( وهو شو عم يساوي لساه  متمطرق ؟ .. يعني مضطجع )

قال الغلام : وكأنه يشتكي والده و بحرد . نعم مازال كذلك . وهو يدخن أيضاً.

قالت : ( أصلاً مو شاطر إلا بها لشغله ) . ( تقصد التدخين )

قال الغلام . بنفور . طيب الآن ماذا أفعل أنا .

قالت : ( أرجع إلى البيت وقل له اللحام مسكر دكانه ) .

قال لها : لن يصدقني وقد سبقني بالقول قبل أن اخرج من البيت . ( إذا ما لقيت أبو محمد فاتح . روح لعند . برو اللحام . وألو أبي يسلم عليك بدي شوية شقف ) .

 

تأففت وغضبت ثم أدخلت رأسها وكانت تتحدث مع جارتها بصوت عالي .

لدرجة أن صاحبنا سمعها تقول لجارتها : ( رح يموتني هالزلمة . عطال بطال . على دخان وأكل وش ...) ( لا تفهمونا غلط ) ( وشرب )

فردت جارتها بصوت أعلى من صوتها وكانت كأن رجلاً يتحدث : ( كلهم هيك شو مفكرة بس يلي عندك هيك . طيب هلأ شو بدك تساوي إذا صرفها للألف ليرة مصيبة والله ) .

ردت المرأة  الغاضبة صاحبة الألف ليرة  : رجال أخر زمن .

 

كانت تقول هذه الجملة وهي تخرج رأسها من النافذة . ووقعت عيناها في عيني صاحبنا فارتبك وكاد أن يقع من طوله ( لشعوره وكأنه : كان في بيتها و يتجسس عليها ) ونسي أنه في الشارع .

فقالت لأبنها : وهي تنظر إلى الرجل بقرف وقد جمدت عيناها وهي تحدق فيه بحنق وبصوت عالي  ( روح عالبيت ألو لأبوك هلأ جايي أمي . وتابعت وهي لم ترخي نظرها عن الرجل وكأنها تخاطبه . يبعتلو أتلو انشالله . الله يخلصني من هيك رجال . العمى أف . ) وصفقت الشباك بيديها وكاد أن يقلع من مكانه بسبب الضربة العنيفة  .

 

هنا ارتعدت مفاصل صاحبنا وتذكر زوجته وخلافاته معها وقال في نفسه . ( أحسن شي روح عالبيت وخليها تكسر البيت فوق راسي بس ما تكون مثل هال نسوان  يا ساتر والله شي يخوف . ) .

 

مضى الولد يتمتم في سره بصوت خفيف في اتجاه ما . ومضى صاحبنا في اتجاه أخر مسرعاً نحو بيته نحو ( مصيره هو الأخر ) . ودخلت المرأة إلى غرفة جارتها . ورحل الثلاثة في اتجاهات مختلفة . وكم كانت الصور تتراءى  لصاحبنا فيضحك مرة ويبكي أخرى .

. قصة واقعية كأنها لقطة كاميرا .

 

 في 20/3/2012 م الساعة الثامنة مساءً .

 

2013-05-13
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
مساهمات أخرى للكاتب
المزيد