news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
خواطر
أبي و الوطن ... بقلم : فايزة اسماعيل

كنتُ بعمر البرعم البريّ الذي على دفلتنا كان ينمو ، حين كنت أراقب كل تلك التفاصيل التي تتكوم حولي .. ماكنت أعرف منها إلا عينا أبي ، هو وحده فقط الذي كان يسترعي انتباهي ليس لمجرد رابطة العشق الأبوي التي تجمعني به لا بل لأنه استطاع بحكمته البريئة و عفويته الطاهرة أن يجذب حتى طفولتي و كبرهم .


جمعٌ من الرجال يتعالون بالصوت و النقاش و أنا أكبو كما قطة البيت المدللة أستمع لما يدور من كلام ، كان يبدو الأمر في بدايته بغاية الغباء ، فما بال تلك الطفلة بكلمات يتجاوز عدد أحرفها عدد سنوات عمرها ، لكن فيما بعد .. أدركت أن ما اختزنته ذاكرتي منها كان كفيلاً بأن يضيف آلافاً من السنوات لبطاقتي الشخصية جنباً إلى جنب ( خانة العمر ) .


في هذا اليوم كان حديثهم عن الوطن : نعم الوطن ..


واحدهم كان يتعالى بحديثه عن ما أنجزه في غربته من أمجاد و كيف أنه خلال سنوات بسيطة في مجتمع يحترم الوقت و العمل استطاع أن يثبت نفسه ليبني امبراطورية تجارية يقتات عليها إلى الآن .. أما الثاني فاكتفى بالسخرية من بلد لا تمنح أهلها إلا الفواتير المترتبة للدفع و بعض الضرائب المسحوبة من دم الفقراء ، بتهكم رفع صوته ثالثهم ليقول تبت تلك بلاد لا تحترمنا كبشر .. و بين ضوضاءهم .. ارتفع همس أبي قائلاً : الوطن يا صحبي هو عينا تلك الطفلة هذا هو وطني ..

 


التفت الجميع إلي فارتعبت لم يناظرونني هكذا باستخفاف ولكن شغلت نفسي بجديلتي و أطرقت السمع لتنهيدات أبي قائلاً : الوطن ليس بدفتر شيكات تحمله في جيبك ، و لا ببعض المعونات التي تزيد عدد الصحون على مائدتك .. هو ليس بشرطي تشتريه بحبة سكاكر و لا بمخالفة إنذار تأتيك من شركة الكهرباء كي تسدد مالم تستهلكه ، الوطن هو تلك البراعم التي ننجبها كي نحيا و هو تلك النسمة التي تداعب طرفهم وهم يلاعبون عربة الذرة في الحارة ، هو جار يراك سند و صديق يقصد بيتك ليلاً ملهوفاً فتعينه
الوطن ليس مساحة .. الوطن عيون
 


صمت أبي و ساد الصمت تلك الجلسة ، وكأن كل واحد من الحاضرين آنذاك راح بذاكرته إلى تلك الذكريات الحميمية ، إلى رائحة الخبز البلدي و بائع الفستق الذي يجوب الطرقات بحثاً عن رزقه من رائحة المدخنة المنبعثة من عربته .
كبرت أنا .. و كل يوم كنت أدرك كم كان وطن أبي يكبر ، كل يوم كنت أتحسس ضفيرتي و أخاف عليها كي لا تمسها نسمة غريبة فيزعل أبي ، كبرت أنا و مات أبي .. لكن وطنه حي يجوب الدنيا
و سيأتي من نسل كل وطن أوطان تغرس فينا معنى كلمة ( وطن )
 

 

https://www.facebook.com/you.write.syrianews

2015-09-12
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
المزيد