news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
هل سيتمكن الرئيس بوتين من إيجاد حلٍّ لِأسوأ وأقذر خامس حرب في التاريخ؟.. بقلم: د. عبد الحميد سلوم

لقد وقعت حروب أهلية كثيرة عبر التاريخ، منها الحرب الأهلية الأسبانية والإيطالية والإيرلندية واللبنانية والجزائرية والسودانية والنيكاراغوية والكورية والكمبودية واليمنية واليوغسلافية (حروب البلقان) وحروب أهلية عديدة في قارة أفريقيا، ولكن الحرب الأهلية السورية هي من بين أسوا خمسة حروب في التاريخ، كما يقول المؤرخون، والمحللون، وهذه الحروب الأهلية الخمس الأسوأ بالتاريخ هي:

أولا: الحرب الاهلية الرومانية العظمى التي دارت بين القوات الموالية ليوليوس قيصر وبين القوات الموالية لمجلس الشيوخ وامتدت من إيطاليا إلى شمال افريقيا مرورا باليونان واسبانيا واستمرت 4 سنوات من 49 ق.م إلى 45 ق.م، وانتهت بانتصار القوات الموالية ليوليوس قيصر، فقامَ بعدها بتحويل روما من دولة جمهورية إلى إمبراطورية تضم عدة دول..
 


ثانيا: الحرب الاهلية الإنكليزية التي استمرت منذ عام 1642 إلى 1651. وهي ليست حربا واحدة بالمناسبة، بل هي ثلاثة حروب أعلنها الملكيون ضد البرلمانيين وانتهت بانتصار البرلمانيين..

ثالثا: الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب(بين الكونفدرالين والفيدراليين) والتي استمرت من 1861 إلى 1865وخلفت أكثر من 600,000 قتيل، وأعدادا لم تحصى بدقة من المدنيين.

رابعا: الحرب الأهلية الروسية التي استمرت خمس سنوات منذ عام 1917 إلى 1922، وحُسمت عن طريق عدة أحداث انتهت بانتصار المجموعات البلشفية اليسارية على حراس الإمبريالية والإطاحة بحكومة القيصر نيكولاس الثاني .وخلّفت 13 مليون قتيل.

خامسا: الحرب الأهلية السورية .. التي لا يعلم إلا الله كم سيكون عدد ضحاياها قبل أن تضع أوزارها. وأعتقدُ أن أبطالها لا يقصدون منها إلا إشهار سورية عالميا بعد أن كانت هناك الملايين بالماضي في دول العالم لا يعرفون أين هي سورية إلا إذا قلتَ لهم (شمال إسرائيل) .. أما اليوم فبات كل سكان الأرض يعرفون سورية ويعرفون كم يفنى من أبنائها كل يوم على مذبح الحرب لأجل السُلطة، ولأجل المصالح الإقليمية والدولية، لا سيما بعد أن بات السوريون متسولون على أبواب العالم وبين القطبين الشمالي والجنوبي، هاربين منها وباحثين عن مكان آمنٍ وعن لقمة خبز وشُربة ماء.

إذاً دخلت الحرب السورية موسوعةGuinness للأرقام كأسوأ خمسة حروب في التاريخ، بل وأقذرها لِما سادها من عنفٍ ودماء ودمار وحقدٍ غير مسبوق، وتدخلات إقليمية ودولية، وتصفية حسابات، واختلطَ فيها السياسي بالديني بالعسكري، وتعدّدت الأوصاف التي أُطلِقتْ عليها (ثورة، فورة، إرهاب، تمرُّد، خروج عن سلطة الدولة، أزمة، قضية، مشكلة، صراع، حرب طائفية، حرب أهلية، حرب داخلية، حرب وهابية وسلفية، حرب لأجل الحرية والكرامة، مؤامرة..... الخ.). ولم يبقى أحدٌ في المنطقة والعالم لهُ مصلحة إلا ولحشَ إصبعهُ في المؤخرة السورية!.

* طبعا إن استمرّ هذا الوضع طويلا فسوف تتشظّى سورية إلى عشرات (سورية) وسوف تبذلُ جهدا خارقا لتشرح للأجنبي في ديار الغربة في أي جزءٍ تقعُ سوريتك. لا سيما أن الأيدي الغريبة الغارقة بالدم السوري كلها شعارها : "لِتفنى سورية وشعبها ولن أتراجع عن موقفي" . والكل يعلم أن الأيدي الغريبة هي من باتت صاحبة القرار على الأرض السورية، والسوريون كلهم رهينة للغرباء، سواء حكومة ومعارضة!. وإنّ من يأخذون على غيرهِم أنهم أدوات للخارج فعليهم أن يشعروا بالحرَج من ذاتهِم لأنهم هم بدورهم أيضا أداة للخارج. والطرفان يتسابقان لكسب الدعم والتاييد من الخارج وليس الأمر مقتصرا على طرفٍ بعينه.

*سورية التي عرفناها "مزهرية كريستال"، تحطّمت، والله وحده قادرٌ على إعادة لحمها ببعضها وإعادتها كما كانت!. لقد كان القرار 2254 وبيان جنيف في حزيران 2012 فرصة تاريخية للحل وإعادة اللحمة لِمزهرية الكريستال السورية، ولكن المصالح الخاصة لبعض القوى الإقليمية والدولية وحتى داخل الوطن، كانت فوق مصلحة الوطن كله. والمُضحِك أن الجميع يُحدثك عن خوفه من التفتيت بينما الجميع متورطٌ في عملية التفتيت. والمُضحِك أكثر أنهم يحدثونك عن المخططات الأجنبية للتفتيت بينما هُم بأيديهم من ينفذون تلك المخططات، ومن غيرقصدٍ، وذلك عن طريق التعنُّت والعناد واللف والدوران والمماطلة في إنجاز الحل السياسي، والمناورة في كل شيء على حساب إنجاز الحل السياسي الذي يُنقذ البلد من التفتيت.

فهل سيحذو الرئيس بوتين بعد كل هذا الزمن نحو السعي الجاد في إيجاد الحل للمشكلة السورية لا سيما بعد تصريحه يوم 15/6/2017 "أنه يعتزم التاسيس لعملية سياسية في سورية " وهل سيفصل بين المشكلة السورية وغضبهِ من الموقف الغربي الأوروبي والأمريكي من مشكلة أوكرانيا والقّرم والاستفزاز الأطلسي بالقرب من حدود روسيا في منطقة البلطيق؟!...

*أعتقد أنه على الرئيس بوتين أن يُدرِك أنه بعد كل هذه الدماء والدمار والنزوح والهجرة والمآسي والمعاناة التي عاشها ويعيشها الشعب السوري فلا بُدّ من إيجاد حلٍّ عادلٍ دائمٍ يؤسّس لنهجِ حُكمٍ جديدٍ ومختلفٍ في سورية يقوم على مبدأ الديمقراطية والتعددية والتداول على السُلطة.. أقولُ هذا وأنا ابن البعث منذ العام الدراسي 1968-1969 وفكرُ البعث العروبي والقومي والعَلماني سيبقى جزءا من تكويني النفسي والتربوي والعاطفي والثقافي، مهما فسدَ البعثيون(طبعا المقصود أصحاب النفوذ والسُلطة لعقود طويلة) وخانوا الطبقات الكادحة التي تحدّروا منها وباتوا من طبقة رجال الأعمال والتجار وبعيدون عن هموم عموم البشر الفقراء والكادحين والجياع الذين صعدوا بإسمهم.. ولكن ليس بالضرورة لكل من انتمى لحزب البعث أن يكون نسخة فوتوكوبي عن الآخر، ولا يكون لهُ رأيا مستقلا بمستقبل وطنهِ وشعبهِ.. فالظاهرة الصحية هي أن تكون هناك آراء متعددة حتى ضمن البعث كما هو الحال في كل أحزاب الدنيا ويحتكم الجميع لقرار الكوادر من خلال انتخابات ديمقراطية وحرة ومن القاعدة وحتى القمة، والكوادر الحزبية هي من تنتخب هذا وذاك على أساس الآراء والأفكار والرؤى التي يطرحها من داخل الحزب.. وهكذا تبقى الحيوية والحماس ويبقى التجديد في الآراء قائما على الدوام ولا يعيش الحزب حالة الإحراج والترهُّل والملل والروتين واللامبالاة من طرف كوادرهِ وانعدام المبادرة في التجديد!. فالتجديد ليس مُجرّد استبدال حزبيٍ بآخرٍ وإنما استبدال رأي بآخرٍ وعقلٍ مُتجدِّد بآخر.. والتجديد لا يعني أن نأتي بجيل صغير من الشباب (بلا خبرة) وما لم يكن لدى واحدهم شيئا جديدا ومَقدرة على المبادرة والطّرح والجرأة.. فكمْ هناك من الشباب يحملون عقلية بيروقراطية روتينية متقوقعة وآراء وأفكار متخلفة وعاجزون عن مسايرة التحديث وروح العصر، بينما نجد رجالا كبارا في العمر ومن جيل آبائهم يحملون كل الفكر الحضاري والحداثي ويتطلعون دوما للتحديث والتطور ومجاراة روح العصر ولديهم الأفكار والمبادرات والمقدرة على التجديد..

أعتقد أن الكثير من البعثيين لديهم ذات الرأي ولكن المُشكِلة أن الحزب مُصادرٌ منذ عقودٍ لجهةِ حرية الطّرح والقول ولجهة انعدام الديمقراطية والانتخابات بداخلهِ ويتمُّ فرض القيادات المتسلسلة بالقرارات على أساس الشخصنة والمحاصصات الطائفية والجغرافية، وليس عبر الإنتخابات التي تعكس إرادة القواعد!. ولو كانت هناك انتخابات ديمقراطية حرّة داخل الحزب رُبما لما رأينا 90% من قياداته المتسلسلة التي كنا نراها على مدى عقودٍ، وهذا كان خطئا فادحا!.

فالبعث ليس ضد الإرادة الجماهيرية، بل لقد كان من أوئل من رفعوا الديمقراطية أيام نضالهِ السلبي(يعني حينما لم يكن بالسُلطة) وأعتقد أن الكثير من البعثيين يجادلون على أن سورية من الضروري أن تنتقل للديمقراطية ويمارس شعبها حقه في الديمقراطية، وإنّ السير على ذات النهج الذي سادَ لِعقودٍ طويلة لم يعُد مقبولا في هذا الزمن، وأن سورية كان عليها أن تنتقل لنهجٍ مُختلفٍ منذ انتقال دول أوروبا الشرقية للنهج الديمقراطي وهي الدول التي كانت تدور في الفضاء السوفييتي (كما سورية)، إذ كان من الواضح منذ ذاك الزمن أن هذه سيرورة الحياة في هذه الحقبة من تاريخ البشرية والاستحقاق الديمقراطي هو الوحيد المقبول في هذا الزمن.. وإن كانت الديمقراطية والمطالبة بتطبيق الديمقراطية هي عمَالة وضد مصلحة الأوطان فهذا يعني أن كل بلدان العالم وشعوبها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قد سارتْ بعكسِ مصالحها وبالتالي هي عميلة، فهل من عاقلٍ سيقبل هذا الكلام؟!. لم تبقى إلا بضعة بلدان محدودة في هذا العالم تعاند السير في طريق الديمقراطية، فهل شعوب الهند وبنغلادش وسيريلانكا والفيلبين وماليزيا وأندونيسيا والباكستان ونيجيريا والسنغال وغانا وأوغندة وتنزانيا وجنوب أفريقيا ووو وكل شعوب أمريكا اللاتينية، هل كل تلك الشعوب هي أوعَى وأرقى وأحق من الشعوب الأخرى التي ما زالتْ تسير في طريق الأحادية في الحكم؟. هل لو كانت في سورية بالأساس ديمقراطية وتعددية وحرية تعبير وتداول على السُلطة من خلال صناديق الإقتراع، هل كانت سالتْ فيها نقطة دم واحدة؟. لو كان ذلك متوفرا فهل سيكون لدى الناس مبررا لتقتتل وتذبح بعضها وتتدمّر البلد، وتتحول سورية إلى ميدان حرب إقليمية ودولية؟. طبعا الجواب "كلّا" لأنه حينها وحالما تنشب أزمة سيعود الجميع للإحتكام إلى الشعب وإلى صناديق الإقتراع؟.

السير في طريق الديمقراطية ليس لنيلِ رضى أمريكا ولا أوروبا وإنما لنيلِ رضا الشعب في أي وطنٍ من الأوطان وضمانِ وحدة الشعب واستقراره وازدهاره، فلا يمكن لِشعبٍ أن يستقر ويزدهر في ظل الحروب الداخلية كل ثلاثة عقودٍ من الزمن بسببِ احتكار السُلطة وما يترتّبُ على ذلك من ظلمٍ وفسادٍ وإقصاءٍ وشروخٍ اجتماعية وثراء غير مشروع وتبديد وتبذير لثروات الوطن، وتغييب لدور القانون والمؤسسات، وخلقِ طبقة أسياد طفيلية أثرتْ باستغلال السُلطة وطبقة عبيد، طبقة حُكامٍ وطبقة محكومين، وغياب المحاسبة إلا على الضعفاء ووو وكل ما شابهَ ذلك!!.

فهل يُدرِك السيد بوتين كل هذه المعاني ويبني الحل السوري المنشود على هذا الاساس؟. إن كان هذا ما يُفكّر به فإنه سينجح في تحقيق الحل العادل والدائم في سورية حيث سيأخذ كلٍّ حقّه بمقدار ما يعيش هموم الشعب، ويكون مَرْضيا ومتواضعا ومحبوبا من قبل الشعب وملتصقا بالشعب وخادما لِقضاياه الاجتماعية والمعيشية، ويمارس الشعب دورهُ الكامل بفرض إرادته وقراره واختيار ممثليه وحكامهِ بشكلٍ حُرٍّ لا لُبس فيه ولا غموض.. وهكذا نضع سورية على السكّة الصحيحة التي تُوصلهُ بالكمال والتمام إلى برِّ الأمان على الدوام!. ولا أحدا يشعر بأنه محكوما رغما عن أنفه وإنما بقرارِ وإرادةِ ورضا الشعب.. نعم هذا ما يجب أن يعمل عليه الرئيس بوتين وإلا فكل جهوده ستذهب أخيرا سدى، وستشبه عملية إصلاح مؤقته لسيارة "لادا" قديمة ودواليبها مهترئة وما أن تسير لبعض الوقت حتى تنفجر الدواليب!. وأي حلٍّ لا ينقلُ سورية إلى نهجٍ جديدٍ يرضي الجميع سيبقى حلّا مؤقتا قد ينفجر في أي وقتٍ..
 

2017-07-12
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
مساهمات أخرى للكاتب
المزيد