news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
المسلمون : ما أكثر الكلام عن الإيمان والأخلاق وما أقل التطبيق ... بقلم : د.عبد الحميد سلوم

في أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر ، وكما تروي كتب التاريخ ، ذهب الشيخ محمد عبده، رحمه الله لمؤتمر باريس المنعقد في 1881، وحينما سألوه عن انطباعاته عن الغرب بعد عودته قال مقولته الشهيرة << ذهبتُ للغرب فوجدت إسلاما ولم أجد مسلمين ، ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاما...


بهذه العبارات المختصرة والواضحة اختزل الإمام محمد عبده مأساة الشرق المسلم كله .. فالمجتمعات الإسلامية جسد بلا روح ، يفتقد للحياة والقيم والأخلاق والصدق والأمانة وحب الأوطان، وحب الآخر والإخلاص في العمل !!.. الكذب والغش والخداع والنصب والاحتيال والثرثرة والنميمة والحسد والبغض والكراهية والأنانية ... وكل ما شابه ذلك ، هي من صفات المجتمعات الإسلامية ..

 

ينادي المنادي للصلاة يوم الجمعة بكلمة << الله أكبر >> وهي غير << الله أكبر>> التي ترمز لقطع الرؤوس وإطلاق القذائف وتفجير المفخخات والسيارات لقتل عباد الله ممن باتوا يخشون سماعها... فيَذَرون البيع ويذهبون للصلاة وما أن يعودوا لعملهم حتى يعودوا للكذب والغش والاحتيال واستغلال عباد الله ...وشعارهم ( البيع شطارة ) وهذه لا علاقة لها بالأخلاق ولا بالقيم المجتمعية والدينية ، ولا علاقة لها بالفحشاء والمنكر الذي يُفتَرض أن الصلاة تنهي عنه .. الأمر ذاته ينطبق على كل أوجه الحياة في المجتمعات العربية الإسلامية وقد يتجاوزها لبعض المجتمعات الإسلامية الأخرى ، سواء ضمن علاقات المجتمع أم مؤسسات الدول ، فالضمير معدوم في العمل والاختيار والعلاقات والتعامل والتزكية وما شابه ذلك ...

 

وكل شيء ينطلق من مبدأ الشطارة ، وهذه بدورها تعني الأنانية والدعس على الآخر وتحقيق المكاسب الشخصية والخاصة أيّ تكن الأساليب وأي تكن الأضرار للمصلحة العامة أو مصلحة الوطن ... فالصحيح هو ما يفكر به فقط المسؤول الذي يمتلك النفوذ والسلطة حتى لو كان بعيد عن كل منطق وقيم وأخلاق وموضوعية ... وبالتالي لا مكان إلا للشطارة لبلوغ الأهداف ، وهذه تستوجب مؤهلات لا يمتلكها إلا أهل الشطارة : الدّس والنميمة والانبطاح والكذب والنفاق والتلون بمائة وجه ووجه ولعق الأحذية وبيع الشرف وهدر الكرامة ، وكل ما شابه ذلك ...فهي السبل للشاطرين حينما تنعدم القيم وتغيب الأخلاق .. وغير الشاطرين فما عليهم إلا الجلوس أو الوقوف والفرجة على المشهد .. ولسان حالهم يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ...

 

هذا المشهد لا نراه في الغرب ، حيث حب الأوطان والإخلاص في العمل والصدق والأمانة والقانون والنظام والأسس والقواعد وتكافؤ الفرص واحترام إنسانية الإنسان وحقوقه كما تقتضي الخبرة والمرتبة ،وحقه في الحرية والتعبير والنقد والحياة الكريمة ، والتعويض عن البطالة ،وكفالة العيش بكرامة في الشيخوخة .. وما شابه ذلك ... وهنا لا بد من التأكيد أننا نتحدث عن داخل المجتمعات في الغرب ولا نتحدث عن تعامل الدول في الغرب مع المجتمعات والشعوب الأخرى في بلدان العالم الثالث ، فهذه مسألة مختلفة ... أي أنهم يحبون بعضهم بعضا لدرجة يصبح بها المجتمع كله عائلة واحدة وحينما يتعرض مواطن لأية مشكلة في أي مكان بالعالم يتعاضد معه الجميع ويقفون بجانبه ويتبارى المسؤولون لمساعدته وحل مشكلته ، وما أن يعود لأرض الوطن حتى يكون كبار المسؤولين باستقباله والمجتمع كله مبتهج بعودته ...وهكذا استبدلوا الانتماء الضيق للأسرة والعائلة والعشيرة والمذهب واالطائفة بالانتماء الواسع للوطن والمجتمع ..

 

 وهذا ما يطلق عليه البعض في المشرق أنه (انحلال وتفسخ) للعلاقات الاجتماعية ، وحقيقة الأمر ليست كذلك وإنما هي ابتعاد عن التعصب للانتماءات الضيقة لصالح الانتماءات الأوسع للوطن والمجتمع مع بقاء العاطفة قائمة وموجودة إزاء الأهل والأقارب ...وأعتقدُ باتت العلاقات الاجتماعية هي المتفسخة في مجتمعاتنا ، على الرغم من بعض السلوكيات التي ما تزال ربما أفضل مما هي عليه في الغرب ، ولكنها سلوكيات وليست قيم وأخلاق ... والمفارقة في أولئك الذين ينتقدون قيم الغرب ومفهوم الغرب للأخلاق، وهم يعيشون في حضن هذا الغرب أو يسعون بشتى السبل للهجرة للغرب والحصول فيه على الإقامة والجنسية وجوازات السفر ... فهل رأينا شباب الغرب يهاجر إلى البلدان العربية والإسلامية أم العكس ؟؟ وهل رأينا شباب الغرب يلهثون خلف جوازات السفر العربية والإسلامية أم العكس ؟؟ وهل رأينا شباب الغرب يتسابقون للدراسة في الجامعات العربية والإسلامية أم العكس ؟؟ ... إذا لماذا كل ذلك ؟؟ أليست لأن الحياة في الغرب أفضل بألف مرة من الحياة في المجتمعات العربية والإسلامية ؟؟ ولماذا هي كذلك ؟؟ أليسـت لأن القيم والأخلاق في الغرب أفضل مما هي في المجتمعات العربية والإسلامية بألف مرة ؟؟ ولماذا هي كذلك ؟؟ من هنا نعود إلى مقولة الشيخ محمد عبده الشهيرة التي سبق وأشرت إليها آنفا ....

 

إذا باختصار ما أراد الشيخ محمد عبده قوله أننا في المجتمعات الإسلامية أجساد بلا أرواح ، كما الهياكل التي يلبسونها الثياب ويعرضونها بالواجهات ، بعكس ما أراده الإسلام ، بينما هم في الغرب أجساد مليئة بالأرواح بينما هم ليسوا بمسلمين .. فهم من يُطبّق معاني الإسلام ذات الأبعاد الإنسانية والحضارية والأخلاقية ، والمسلمون يتحدثون عنها كثيرا ولكن لا يطبقون منها شيئا ... إذا نحن المجتمعات المنافقة المتخلفة ، بل المتوحشة، التي يهرب أبناؤها من غاباتها ليعيشوا في مجتمعات تعرف معنى الإنسان وتعتبره القيمة الأساسية في الحياة وكل شيء يجب أن يُسَخّر لخدمة الإنسان وليس لذبحه وقتله وفرض الجزية عليه ونوع اللباس والأكل والشرب وسلبه إرادته فيصبح كما أية بهيمة لا شأن له ولا قيمة في الحياة ...

 

 فهل بعد هذا نلوم شباب الشرق إن كفر بهذا الشرق وبانعدام القيم والأخلاق بهذا الشرق وهاجر للغرب واعتنق ديانته وحمل جوازات سفره ؟!.. وهل نلوم الإسلام أم المسلمين ؟؟ جوابي : نلوم الاثنين معا : الإسلام لأن ثوبه مطّاط وواسع وقابل لكل التفسيرات المتناقضة ، ولأن مبدأ الفتوى بالإسلام استُخدِم بحسب ما يهوى كل واحد وما تقتضي مصالحه وجيوبه ... ونلوم المسلمين لأنهم رأوا في هذا الثوب الواسع مساحة كبيرة ليفسر كل منهم الإسلام حسب أهوائه وشهواته ونزواته وانحرافه وجنونه وعُقده وكيده ولؤمه وحقده ومصالحه ويفتي دونما أي ضابط أو مرجعية واحدة مشتركة تحدد الخطأ من الصواب وتحاسب المبتعد عن روح الإسلام وجوهره ومعانيه في فتاواه وتفسيراته ... فأصبح الإسلام كما الكَرْمْ الداشر للناهبين والطامعين واللصوص والحرامية .. وقد سرقه أولاد الحرام ... ممن يطلقون على أنفسهم أوصافا ليست لهم ولا تشبههم ولا يشبهونها وأقلها <الشيخ> فلتان والشيخ علّان  ... وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال :

 

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ... وفي تنقيح جديد : فإن هم ذهبت أخلاقهم ذَهّبوا (بتشديد الهاء) .. وليرحمك الله يا شيخ محمد عبده ... فقد صدقتَ في مقولتك الشهيرة تلك التي فات عليها أكثر من مائة وثلاثين عاما .. ولو كنتَ بيننا اليوم لرأيت كيف أننا بتنا بلا إسلام وبلا مسلمين ، إلا ما ندر من الأفاضل الذين نتوسم بهم وحدهم الخير وهم يبذلون أقصى ما استطاعوا بهمم عالية وإرادة صلبة لتصويب الإسلام بتنوير الرأي العام عن فقه الإسلام الصحيح لا سيما في هذه الظروف التي تعصف بها كل أنواء الرياح العاتية بديار الإسلام وخاصة في بلدان عاصمتي الإسلام التاريخيتين دمشق وبغداد .... إنه الفقه الذي انطلق منه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في مقولته الشهيرة :<< أنثروا القمح على رؤوس الجبال  لكي لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين >> ..

 

 هكذا كان الفقه أن لا يجوع طير ... فما بالكم بمن نثر بدل القمح ،القتل والذبح والخطف والاغتصاب والسرقة واللصوصية والنهب والسلب ،، وقطع رؤوس البشر وأكل لحومها وشواء جثثها  وهم من المسلمين ويرددون كل يوم مئات المرات : اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... إنه فعلا إسلام بلا مسلمين .... إسلام بلا مسلمين .... جسد بلا روح ... والمطلوب من المؤسسات الإسلامية الصحيحة وعلمائها العمل ليل نهار بلا كلل ولا ملل لإعادة الإسلام المسروق إلى أهله الحقيقيين ..وفي هذا الصدد أتوجه بكل التقدير لرابطة علماء بلاد الشام ، ولعلماء الأزهر الشريف ، وللدكتور يحي أبو زكريا ، ولكل من يقدّم جهدا في هذا الاتجاه وأتمنى أن يرفع الجميع مسلمين وغيرهم صوتهم إلى جانب صوت أولئك وهم يجهدون طوال الوقت لتخليص الإسلام من سارقيه ومغتصبيه ،يزنون به كما يزنون بنساء المسلمين تحت مائة عنوان وعنوان ...  

 

 

https://www.facebook.com/you.write.syrianews

2014-03-10
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
مساهمات أخرى للكاتب
المزيد